الابراهمية للخد مــــــــــــــــــا ت

منتـــــــــــدى خـــــــــــــــــدمى
 
الرئيسيةاليوميةس .و .جبحـثالأعضاءالمجموعاتالتسجيلدخول

شاطر | 
 

 صحيح البخاري من 1الى 15 الجزء الثانى مكتبة الدرر السنية

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل 
كاتب الموضوعرسالة
Admin
Admin
avatar

المساهمات : 71
تاريخ التسجيل : 03/02/2016
العمر : 46
الموقع : مصر

مُساهمةموضوع: صحيح البخاري من 1الى 15 الجزء الثانى مكتبة الدرر السنية   الأحد فبراير 28, 2016 1:22 pm

بسم الله الرحمن الرحيم
7كتاب التيمم
1- باب
قول الله : فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيداً طَيِّباً فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ [المائدة :6]
خرج فيه حديثين :
الحديث الأول:
قال :
334– ثنا عبدا لله بن يوسف : أبنا مالك ، عن عبد الرحمان بن القاسم ، عن أبيه ، عن عائشة زوج النبي  ، قالت : خرجنا مع رسول الله  في بعض إسفاره حتى إذا كنا بالبيداء – أو بذات الجيش – أنقطع عقد لي ، فأقام رسول الله  على التماسه ، وأقام الناس معه وليسوا على ماء ، فأتى الناس إلى أبي بكر ، فقالوا :إلا ترى ما صنعت عائشة ؟ أقامت برسول الله  والناس ، وليسوا عَلَى ماء ، وليس معهم ماء . فجاء أبو بَكْر ورسول الله  واضع رأسه عَلَى فخذي قَدْ نام ، فَقَالَ : حبست رَسُول الله  والناس ، وليسوا عَلَى ماء ، وليس مَعَهُ ماء قَالَتْ عَائِشَة : فعاتبني أبو بَكْر ، وَقَالَ مَا شاء الله أن يَقُول ، وجعل يطعنني بيده فِي خاصرتي ، فلا يمنعني من التحرك إلا مكان رَسُول الله  عَلَى فخذي ، فنام حَتَّى أصبح عَلَى غير ماء ، فانزل الله آية التيمم ، فتيمموا ، فقال أسيد بن الحضير: ماهي بأول بركتكم ياال أبي بكر، قالت فبعثنا البعير الذي كنت عليه فأصبنا العقد تحته .
قيل : إن الرواية هنا : (( فقام حتّى أصبح )) . ورواه في التفسير بلفظ : (( فنام حتّى أصبح )) وهو لفظ مسلم ، وكذا في (( الموطأ )) .
هذا السياق سياق عبد الرحمان بن القاسم لهذا الحديث عن أبيه ، عن عائشة . وقد رواه هشام بن عروة ، عن أبيه عن عائشة فخالف في بعض ألفاظه ومعانيه مما لا يضر . وقد خرجه البخاري في موضع أخر وفي بعض ألفاظه اختلاف على عروة – أيضا .
ومما خالف فيه : أنه ذكر أن عائشة استعارت قلادة من أسماء فسقطت، وان النبي  أرسل رجلين في طلبها وليس معهما ماء فنزلت أية التيمم .
وفي رواية : أنهما صليا بغير وضوء .
وهذا يمكن الجميع بينه وبين حديث القاسم ، عن عائشة بان القلادة لما سقطت ظنوا أنها سقطت في المنزل الماضي ، فأرسلوا في طلبها وأقاموا في منزلهم وباتوا فيه ، وفقد الجميع الماء حتى تعذر عليهم الوضوء .
وفي حديث هشام : أن ذلك كان ليلة الابواء . وفي رواية عنه : أن ذلك المكان كان يقال له : الصلصل .
وروى ابن إسحاق : حدثني يحيى بن عباد بن عبد الله بن الزبير ، عن أبيه ، عن عائشة ، قالت : أقبلنا مع رسول الله  في بعض أسفاره ، حتى إذا كنا بتربان - بلد بينه وبين المدينة بريد وأميال ، وهو بلد لا ماء به - وذلك من السحر ، انسلت قلادة لي من عنقي فوقعت - وذكر بقية الحديث . خرجه الأمام أحمد .
وقد روي هذا الحديث من حديث عمار بن ياسر –أيضا- أن النبي  عرس بأولات الجيش ومعه عائشة ، فانقطع عقد لها من جزع ظفار ، فحبس الناس ابتغاء عقدها ذلك حتى أضاء الفجر ، وليس مع الناس ماء، فتغيظ عليها أبو بكر، وقال : حبست الناس وليس معهم ماء ، فأنزل الله على رسوله  رخصة التطهر بالصعيد الطيــب، فتيمم المسلمون مع رسول الله  - وذكر الحديث .
خرجه الإمام أحمد أبو داود - وهذه لفظه - والنسائي وابن ماجه ، وفي إسناده اختلاف .
والآية التي نزلت بسبب هذه القصة كانت أية المائدة ؛ فإن البخاري خرج هَذَا الحَدِيْث فِي التفسير من ((كتابه)) هَذَا من حَدِيْث ابن وهب، عَن عَمْرِو، عَن عَبْد الرحمان بْن الْقَاسِم، وَقَالَ فِي حديثه : فَنَزَلت : يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ  هذه الآية [المائدة:6].
وهذا السفر الذي سقط فيه قلادة عائشة أو عقدها كان لغزوة المريسيع إلى بني المصطلق من خزاعة سنة ست، وقيل: سنة خمس، وهو الذي ذكره أبن سعد عن جماعة من العلماء ، قالوا : وفي هذه الغزوة كان حديث الإفك.
وقد ذكر الشافعي: أن قصة التيمم كانت في غزوة بني المصطلق ، وقال : أخبرني بذلك عدد من قريش من أهل العلم بالمغازي وغيرهم .
فإن قيل: فقد ذكر غير واحد، منهم: ابن عبد البر : أنه يحتمل أن يكون الذي نزل بسبب قصة عائشة الآية التي في سورة النساء ؛ فإنها نزلت قبل سورة المائدة بيقين، وسورة المائدة من أواخر ما نزل من القران ، حتى قيل: إنها نزلت كلها أو غالبها في حجة الوداع، وأية النساء نزولها متقدم.
وفي صحيح مسلم من حديث سعد بن أبي وقاص أنها نزلت فيه لما ضربه رجل قد سكر بلحي بعير، ففزر أنفه.
وفي (( سنن أبي داود )) والنسائي وأبن ماجه، عن علي ، أن رجلا صلى وقد شرب الخمر، فخلط في قراءته، فنزلت أية النساء.
فقد تبين بهذا: أن الآية التي في سورة النساء نزلت قبل تحريم الخمر، والخمر حرمت بعد غزوة أحد، ويقال: إنها حرمت في محاصرة بني النضير بعد أحد بيسير وآية النساء فيها ذكر التيمم، فلو كانت قد نزلت قبل قصة عائشة لما توقفوا حينئذ في التيمم، ولا انتظروا نزول آية أخرى فيه .
قيل : هذا لا يصح ؛ لوجوه :
أحدها : سبب نزول آية النساء قد صح أنه كان ما ينشأ من شرب الخمر من المفاسد في الصلاة وغيرها، وهذا غير السبب الذي أتففت الروايات عليه في قصة عائشة، فدلّ على أن قصة عائشة نزل بسببها آية غير آية النساء، وليس سوى آية المائدة.
والثاني : أن آية النساء لم تحرم الخمر مطلقاً بل عند حضور الصلاة ، وهذا كان قبل أحد ، وقصة عائشة كانت بعد غزوة أحد بغير بخلاف ، وليس في قصتها ما يناسب النهي عن قربان الصلاة مع السكر حتى تصدر به الآية .
وأما تصدير الآية بذكر الوضوء فلم يكن لأصل مشروعيته؛ فإن الوضوء كان شرع قبل ذَلكَ بكثير، كما سبق تقريره في أول (كتاب الضوء)، وإنما كان تمهيداً للانتقال عنه إلى التيمم عند العجز عنه ، ولهذا قالت عائشة : فنزلت آية التيمم، ولم تقل: آية الوضوء .
والثالث : أنه قد ورد التصريح بذلك في ((صحيح البخاري)) كما ذكرناه .
وأما توقفهم في التيمم حتى نزلت أية المائدة مع سبق نزول التيمم في سورة النساء، فالظاهر- والله أعلم – أنهم توقفوا في جواز التيمم في مثل هذه الواقعة، لان فقدهم للماء أنما كان بسبب إقامتهم لطلب عقد أو قلادة، وإرسالهم في طلبها من لا ماء معه مع أمكان سيرهم جميعا إلى مكان فيه ماء، فاعتقدوا أن في ذلك تقصيرا في طلب الماء، فلا يباح معه التيمم، فنزلت أية المائدة مبينة جواز التيمم في مثل هذه الحال، وأن هذه الصورة داخلة في عموم أية النساء.
ولا يستبعد هذا، فقد كان طائفة من الصحابة يعتقدون أنه لا يجوز استباحة رخص السفر من الفطر والقصر إلا في سفر طاعة دون الإسفار المباحة، ومنهم من خص ذلك بالسفر الواجب كالحج والجهاد، فلذلك توقفوا في جواز التيمم للاحتباس عن الماء لطلب شيء من الدنيا حتى بين لهم جوازه ودخوله في عموم قوله، ويدل ذلك على جواز التيمم في سفر التجارة وما أشبهه من الإسفار المباحة، وهذا مما يستأنس به من يقول: أن الرخص لا تستباح في سفر المعصية.
وأما دعوى نزول سورة المائدة كلها في حجة الوداع فلا تصح ؛ فإن فيها آيات نزلت قبل ذلك بكثير، وقد صح أن المقداد قال للنبي  يوم بدر: لا نقول لك كما قال بنو إسرائيل لموسى: اذهب أنت وربك فقاتلا إنا هاهنا قاعدون، فدل هذا على أن هذه الآية نزلت قبل غزوة بدر. والله أعلم.
وقد ذكر الله تعالى التيمم في الآيتين بلفظ واحد ، فقال فيهما:  وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ أَوْ لامَسْتُمُ النِّسَاءَ فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيداً طَيِّباً فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ  [المائدة:6].
فقوله تعالى:  وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ  ذكر شيئين مبيحين للتيمم: أحدهما: المرض، والمراد به عند جمهور العلماء : ما كان استعمال الماء معه يخشى منه الضرر.
والثاني: السفر، واختلفوا: هل هو شرط للتيمم مع (عدم) الماء، أم وقع ذكره لكونه مظنة عدم الماء غالباً، فإن عدم الماء في الحضر قليل أو نادر، كما قال الجمهور في ذكر السفر في آية الرهن، أنة إنما ذكر السفر لأنه مظنة عدم الكاتب، وليس بشرط للرهن.
والجمهور: على أن السفر ليس بشرط للرهن ولا للتيمم مـع عدم الماء ، وأنه يجوز الرهن في الحضر، والتيمم مع عدم الماء في الحضر.
وقالت الظاهرية: السفر شرط في الرهن والتيمم.
وعن أحمد رواية باشتراط السفر للتيمم خاصة، وحكي رواية عن أبي حنيفة، وعن طائفة من أصحاب مالك .
وعلى هذا : فلا فرق بين السفر الطويل والقصير على الأصح عندهم وقوله :
 أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ أَوْ لامَسْتُمُ النِّسَاءَ  [المائدة: 6] .
قد قيل أن ((أو)) هنا بمعنى الواو، كما يقول الكوفيون ومن وافقهم ؛ فإنه لما ذكر السببين المبيحين للتيمم ، وهما التضرر باستعماله بالمرض ومظنة فقده بالسفر ذكر مَا يستباح مِنْهُ الصَّلاة بالتيمم وَهُوَ الحدث ، فإن التيمم يبيح الصَّلاة من الحدث الموجود ولا يرفعه عند كثير من العلماء، وهو مذهب الشافعي ، وظاهر مذهب أحمد وأصحابه ، ولهذا قالوا يجب عليه أن ينوي ما يستبيحه من العبادات وما يستبيح فعل العبادات منه من الأحداث .
وقالت طائفة : بل التيمم يرفع الحدث رفعاً مؤقتاً بعدم القدرة على استعمال الماء، وربما أستدل بعضهم بهذه الآية ، وقالوا: إنما أمر الله بالتيمم مع وجود الحدث ، ولو كان التيمم واجباً لكل صلاة أو لوقت كل صلاة – كما يقوله من يقول : أن التيمم لا يرفع الحدث ، على اختلاف بينهم في ذلك – لما كان لذكر الحدث معنى .
والأظهر – والله أعلم -: أن (( أو)) هاهنا ليست بمعنى الواو، بل هي على بابها، وأريد بها : التقسيم والتنويع ، وأن التيمم يباح في هذه الحالات الثلاث ، واثنتان منهما مظنتان ، وهما : المرض والسفر ، فالمرض مظنة التضرر باستعمال الماء ، والسفر مظنة عدم الماء ، فإن وجدت الحقيقة في هاتين المظنتين جاز التيمم، وألا فلا.
ثم ذكر قسماً ثالثاً، وهو وجود الحقيقة نفسها، فذكر أن من كان محدثاً ولم يجد ماءً فليتيمم ، وهذا يشمل المسافر وغيره ، ففي هذا دليلٌ على أن التيمم يجوز لمن لم يجد الماء ، مسافراً كان أو غير مسافر . واللهُ أعلم .
وقد ذكر سبحانه حدثين :
أحدهما : الحدث الأصغر، وهو المجيء من الغائط ، وهو كنايةٌ عن قضاء الحاجة والتخلي، ويلتحق به كل ما كان في معناه ، كخروج الريح أو النجاسات من البدن عند من يرى ذَلكَ .
والثاني : ملامسة النساء ، واختلفوا : هل المراد بها الجماع خاصة ، فيكون حينئذ قد أمر بالتيمم من الحدث الأصغر والأكبر، وفي ذلك رد على من خالف في التيمم للجنابة كما سيأتي ذكره – أشاء الله تعالى -، أو المراد بالملامسة مقدمات الجماع من القبلة والمباشرة لشهوة، أو مطلق التقاء البشرتين، وعلى هذين القولين فلم يذكر في الآية غير التيمم من الحدث الأصغر.
وقوله تعالى:  فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً  متعلق بمن أحدث، سواءٌ كان على سفر أو لم يكن، كما سبق تقريره، دون المرض، لان المريض لا يشترط لتيممه فقد الماء، هذا هو الذي عمل به الأمة سلفا وخلفا.
وحكي عن عطاء والحسن: أن فقد الماء شرطٌ للتيمم مع المرض - أيضا- فلا يباح للمريض أن يتيمم مع وجود الماء وأن خشي التلف.
وهذا بعيد الصحة عنهما، فإنه لو لم يجز التيمم إلا لفقد الماء لكان ذكر المرض لا فائدة له.
وقوله:  فَتَيَمَّمُوا  أصل التيمم في اللغة القصد، ثم صار علما على هذه الطهارة المخصوصة.
وقوله :  صَعِيداً  اختلفوا في المراد بالصعيد، فمنهم من فسره بما تصاعد على وجه الأرض من أجزائها، ومنهم: من فسره بالتراب خاصة.
وقوله:  طَيِّباً  فسره من قال: الصعيد: ما تصاعد على وجه الأرض، بالطاهر. ومن فسره بالتراب، قال: المراد بالصعيد التراب المنبت، كقوله تعالى:  وَالْبَلَدُ الطَّيِّبُ يَخْرُجُ نَبَاتُهُ بِإِذْنِ رَبِّهِ  [الأعراف:58] وهذا مذهب الشافعي وأحمد في المشهور عنه.
وقول ابن عباس : الصعيد الطيب تراب الحرث.
وقوله :  فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ مِنْه  . كقوله في الوضوء  وَامْسَحُوا بِرُؤُوسِكُمْ  .
وقد ذكرنا فيما سبق في ((أبواب الوضوء)) أن كثيراً من العلماء أوجبوا استيعاب مسح الرأس بالماء، وخالف فيه آخرون، وأكثرهم وافقوا هاهنا، وقالوا: يجب استيعاب الوجه والكفين بالتيمم، ومنهم من قال: يجزئ أكثرهما، ومنهم من قال: يجزئ مسح بعضهما كالرأس – أيضا.
وقول النَّبيّ  لعمار: ((إنما يكفيك أن تضرب بيديك الأرض، ثم تمسح بهما وجهك وكفيك )) يرد ذلك ويبين أن المأمور به مسح جميعهما.
وسيأتي الكلام على حد اليدين المأمور بمسحهما – إن شاء الله تعالى.
وقوله تعالى:مِنْهُ يستدل به من قَالَ : لا تيمم إلا بتراب له غبار يعلق باليد، فإن قوله :  مِنْهُ  يقتضي أن يكون الممسوح به الوجه واليدان بعض الصعيد، ولا يمكن ذلك إلا فيما له غبار يعلق باليد حتى يقع المسح به ، ومن خالف في ذلك جعل (( من )) هاهنا لأبعد الغاية، لا للتبعيض وهو يأباه سياق الكلام . والله تعالى أعلم .
الحديث الثاني:
335 – من طريق: هشيم: أبنا سيارٌ: ثنا يزيد الفقير: أبنا جابر بن عبد الله ، أن النبي  قَالَ : ((أعطيت خمساً لم يعطهن أحدٌ قبلي : نصرت بالرعب مسيرة شهر، وجعلت لي الأرض مسجدا وطهورا، فأيما رجل من أمتي أدركته الصَّلاة فليصل ، وأحلت لي الغنائم ولم تحل لأحد قبلي، وأعطيت الشفاعة ، وكان النبي يبعث إلى قومه خاصة وبعثت إلى الناس عامة)).
هشيم : مدلس ، وقد صرح هنا بالسماع من سيار، وهو : أبو الحكم ، وصرح سيار بالسماع من يزيد الفقير، و صرح يزيد بالسماع من جابر، فهذا إسناد جليل متصل.
وهذه الخمس اختص بها النبي  عن الأنبياء ، وليس في الحديث أنه لم يختص بغيرها، فإن هذه اللفظة لا تقتضي الحصر، وقد دلت النصوص الصحيحة الكثيرة على أنه  خص عن الأنبياء بخصال كثيرة غير هذه الخمس، وسنشير إلى بعض ذلك – إنشاء الله تعالى.
فأما ((الرعب)): فهو ما يقذفه الله في قلوب أعداءه المشركين من الرعب، كما قال تعالى:  سَنُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ بِمَا أَشْرَكُوا بِاللَّهِ  [ آل عمران:151] وقال في قصة يوم بدر:  إِذْ يُوحِي رَبُّكَ إِلَى الْمَلائِكَةِ أَنِّي مَعَكُمْ فَثَبِّتُوا الَّذِينَ آمَنُوا سَأُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ  [الأنفال:12].
وفي ((مسند الإمام أحمد)) من حديث عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده، عن النبي، أنه قال عام غزوة تبوك: (( لقد أعطيت الليلة خمسا ما أعطيهن أحد كان قبلي: إما أنا فأرسلت إلى الناس كلهم عامة وكان من قبلي إنما يرسل إلى قومه ، ونصرت على العدو بالرعب ، ولو كان بيني وبينهم مسيرة شهر لملئ منه رعبا )) – وذكر بقية الحديث.
وقوله: (( أعطيت الليلة خمسا))، لم يرد أنه لم يعطها قبل تلك الليلة، فإن عامتها كان موجودا قبل ذاك، كنصره بالرعب، وتيممه بالتراب، فإن التيمم شرع قبل غزوة تبوك بغير إشكال، ولعله أراد أنه أعلم بأن هذه الخمس الخصال اختص بها عن سائر الأنبياء في تلك الليلة. والله أعلم.
وروينا بإسناد فيه ضعف عن السائب بن يزيد ، عن النَّبيّ  ، قال : (( فضلت على الناس بخمس )) - ذكر منها- (( ونصرت بالرعب شهرا من إمامي وشهرا من خلفي )) .
وأما جعل الأرض له مسجدا وطهورا : فقد ورد مفسرا في حديث عمرو بن شعيب ، عن أبيه ، عن جده ، عن النبي  ، قال : (( وجعلت لي الأرض مساجد وطهورا ، أينما أدركتني الصلاة تمسحت وصليت ، وكان من قبلي يعظمون ذلك ؛ إنما كانوا يصلون في بيعهم وكنائسهم )) - وذكر بقية الحديث. خرجه الإمام أحمد.
وفي ((مسند البزار)) من حديث ابن عباس، عن النبي، قال: ((أعطيت خمساً لم يعطهن أحد قبلي من الأنبياء: جعلت لي الأرض طهوراً ومسجداً، ولم يكن نبي من الأنبياء يصلي حتى يبلغ محرابه)) - وذكر الحديث.
وقد تبين بهذا أن معنى اختصاصه عن الأنبياء بان الأرض كلها جعلت مسجدا له ولأمته أن صلاتهم لا تختص بمساجدهم المعدة لصلاتهم كما كان من قبلهم، بل يصلون حيث أدركتهم الصلاة من الأرض وهذا لا ينافي أن ينهي عن الصلاة في مواضع مخصوصة من الأرض لمعنى يختص بها، كما نهى عن الصلاة في أعطان الإبل، وفي المقبرة والحمام، وسيأتي ذلك مستوفى في مواضع أخر - أن شاء الله تعالى.
وفي ذكره التيمم في الأرض من خصائصه ما يشعر أن الطهارة بالماء ليست مما اختص به عن الأنبياء ، وقد سبق في (( كتاب : الوضوء ))ذكر ذَلكَ .
واستدل بقوله  : (( جعلت لي الأرض مسجدا وطهورا )) من يقول : أن التيمم يجوز بجميع أجزاء الأرض من التراب والرمل والنورة والزرنيخ والجص وغير ذلك، كما هو قول مالك وأبي حنيفة وغيرهما .
واستدل من قَالَ : لا يجوز التيمم بغير التراب من أجزاء الأرض – كما يقوله الشافعي وأحمد في ظاهر مذهبه – بما في ((صحيح مسلم)) عن حذيفة، عن النَّبيّ ، قَالَ : ((فضلنا على الناس بثلاث : جعلت صفوفنا كصفوف الملائكة ، وجعلت لنا الأرض كلها مسجدا ، وجعلت تربتها لنا طهورا إذا لم نجد الماء )) ، وذكر خصلة أخرى .
فخص الطهور بتربة الأرض بعد أن ذكر أن الأرض كلها مسجد، وهذا يدل على اختصاص الطهورية بتربة الأرض خاصة؛ فإنه لو كانت الطهورية عامة كعموم المساجد لم يحتج إلى ذلك.
وقد خرج مسلم حديث جابر الذي خرجه البخاري هاهنا ، وعنده : (( وجعلت لي الأرض طيبة طهورا ومسجدا )) .
وهذا يدل على اختصاص الطهورية بالأرض الطيبة، والطيبة: هي الأرض القابلة للإنبات، كما في قوله تعالى :  وَالْبَلَدُ الطَّيِّبُ يَخْرُجُ نَبَاتُهُ بِإِذْنِ رَبِّهِ  [الأعراف:58].
وروينا من حديث حماد بن سلمة، عن ثابت وحٌميد ، عن أنس ، قَالَ :
رسول الله : (( جُعلت لي كل ُ أرضٍ طيبةً مسجداً وطهوراً )) .
ولكن قد دلت نصوص أٌخرُ على عموم كون الأرض مسجداً ، فتبقى طهوريتها مختصة بالأرض المنبتة .
وفي ((مسند الإمام أحمد)) من حديث عـبد الله بن محمد بن عقيل، عن محمد بـن علي ، عن أبيه علي بــن أبي طالب ، عن النبي  ، قال : (( أُعطيتُ أربعاً لم يُعطهن ِّأحد من أنبياء الله : أُعطيت مفاتيح الأرض ، وسُمَّيــتُ أحمد ، وجُعل التراب لي طهورا ، وجعلت أمتي خير الأمم )) .
وقد ظن بعضهم: أن هذا من باب المطلق والمقيد، وهو غلط، وإنما هو من باب تخصيص بعض أفراد العموم بالذكر ، وهو لا يقتضي التخصيص عند الجمهور ، خلافاً لما حكي عن أبي ثور ، إلا أن يكون له مفهوم فيبنى على تخصيص العموم بالمفهوم ، والتراب والتربة لقب ، مختلف في ثبوت المفهوم له ، والأكثر ون يأبون ذَلكَ .
لكن أقوى ما أستدل به : حديث حذيفة الذي خرجه مسلم ، فإنه جعل الأرض كلها مسجداً وخص الطهورية بالتربة ، وأخرج ذلك في مقام الامتنان وبيان
الاختصاص ، فلولا أن الطهورية لا تعم جميع أجزاء الأرض لكان ذكر التربة لا معنى له ، بل كان زيادة في اللفظ ونقصاً في المعنى ، وهذا لا يليق بمن أوتي جوامع الكلم  .
وقد خرجه ابن خزيمة في (( صحيحة )) ، ولفظه : (( وجعلت لنا الأرض كلها مسجدا ، وجعل ترابها لنا طهورا إذا لم نجد الماء )) .
ومعنى قوله : (( طهوراً )) : أي مطهراً ، كما قَالَ : (( الماء طهور لا ينجسه شيء )).
وفيه دليل لمن قَالَ : إن التيمم يرفع الحدث كالماء رفعا مؤقتا ، ودليل على أن الطهور ليس بمعنى الطاهر كما يقوله بعض الفقهاء ؛ فإن طهارة الأرض مما لم تختص به هذه الأمة ، بل اشتركت فيه الأمم كلها ، وإنما اختصت هذه الأمة بالتطهر بالتراب ، فالطهور هو المطهر .
والتحقيق: أن ((طهورا)) ليس معدولا عن طاهر، ولأن ((طاهرا)) لازم و((طهورا)) متعد، وإنما الطهور اسم لما يتطهر به، كالفطور والسحور والوجور والسعوط ونحو ذلك.
وأما إحلال الغنائم له ولأمته خاصة، فقد روي أن من كان قبلنا من الأنبياء كانوا يحرقون الغنائم ، وفي حديث عمرو بن شعيب ، عن أبيه ، عن جده ، عن النَّبيّ :
(( وأحلت لي الغنائم أكلها ، وكان من قبلي يعظمون أكلها ، كانوا يحرقونها )) .
وفي (( الصحيحين )) عن أبي هُريرةَ ، قَالَ : (( غزا نبي من الأنبياء ؛ فجمع الغنائم ، فجاءت نار لتأكلها فلم تطعمها ، فقال : أن فيكم غلولا ، فليبايعني من كل قبيلة رجل ، فلزقت يد رجل بيده ، فقال : فيكم الغلول ، فجاءوا برأس مثل رأس بقرة من الذهب ، فوضعوها ، فجاءت النار فأكلتها ، ثُمَّ أحل الله لنا الغنائم ، رأى ضعفنا وعجزنا فأحلها لنا )) .
وفي الترمذي عن أبي هُريرةَ ، عن النَّبيّ ، قَالَ : (( لم تحل الغنائم لأحد سود الرؤوس قبلكم ، كانت تنزل نار فتأكلها )) .
وفي كتاب (( السيرة )) لسليمان التيمي : أن من قبلنا من الأمم كانوا إذا أصابوا شيئا من عدوهم جمعوه فأحرقوه وقتلوا كل نفس من إنسان أو دابة .
وفي صحة هذا نظر ، والظاهر أن ذوات الأرواح لم تكن محرمة عليهم ، إنما كان يحرم عليهم ما تأكله النار .
وقد ذهب طائفة من العلماء ، منهم : الإمام أحمد إلى أن الغال من الغنيمة يحرق رحله كله إلا ما له حرمة من حيوان أو مصحف .
وورد في ذلك أحاديث تذكر في موضع أخر – أن شاء الله تعالى .
وقد قال طائفة من العلماء: أن المحرم على من كان قبلنا هو المنقولات دون ذوات الأرواح، واستدلوا بأن إبراهيم  كانت له هاجر أمة ، والإماء إنما يكتسبن من المغانم، ذكر هذا ابن عقيل وغيره .
وفي هذا نظر؛ فإن هاجر وهبها الجبار لسارة، فوهبتها لإبراهيم ، ويجوز أن يكون في شرع من قبلنا جواز تملك ما تملكه الكفار باختيارهم دون ما يغنم منهم .
وقد ذهب أكثر العلماء إلى أن الكافر إذا أهدى إلى آحاد المسلمين هدية فله أن يتملكها منه ، ويختص بها دون غيره من المسلمين .
وقال القاضي إسماعيل المالكي : إنما اختصت هذه الأمة بإباحة المنقولات من الغنائم ، فأما الأرض فإنها فيء ، وكانت مباحة لمن قبلنا ، فإن الله تعالى أورث بني إسرائيل فرعون .
وهذا بناء على أن الأرض المأخوذة من الكفار تكون فيئا ، سواء أخذت بقتال أو غيره ، وهو قول أبي حنيفة ، ومالك ، وأحمد في المشهور عنه.
ومن الناس من يقول : إنما حرم على من كان قبلنا الغنائم المأخوذة بقتال دون الفيء المأخوذ بغير قتال . قالوا : وهاجر كانت فيئا لا غنيمة ؛ لان الجبار الكافر وهبها لسارة باختياره .
وقد قَالَ طائفة من العلماء : أن ما وهبه الحربي لمسلم يكون فيئا .
وزعم بعضهم : أن المحرم على من كان قبلنا كان من خمس الغنيمة خاصة ، كانت النار تأكله ، ويقسم أربعة أخماس بين الغانمين ، وهذا بعيد جدا .
واستدلوا : بما خرجه البزار من رواية سالم أبي حماد ، عن السدي ، عن عكرمة ، عن أبي عباس ، عن النَّبيّ  ، قَالَ : (( أعطيت خمسا لم يعطها أحد قبلي )) – فذكر الحديث ، وقال فيه : (( وكانت الأنبياء يعزلون الخمس فتجيء النار فتأكله ، وأمرت أنا أن أقسمه في فقراء أمتي )) .
وسالم هذا : قال فيه أبو حاتم الرازي : مجهول .
وأما الشفاعة التي اختص بها النبي  من بين الأنبياء ، فليست هي الشفاعة في خروج العصاة من النار ؛ فإن هذه الشفاعة يشارك فيها الأنبياء والمؤمنون – أيضا -، كما تواترت بذلك النصوص ، وإنما الشفاعة التي يختص بها من دون الأنبياء أربعة أنواع :
أحدها : شفاعته للخلق في فصل القضاء بينهم .
والثاني : شفاعته لأهل الجنة في دخول الجنة .
والثالث : شفاعته في أهل الكبائر من أهل النار، فقد قيل : أن هذه يختص هو
بها .
والرابع : كثرة من يشفع له من أمته ؛ فإنه وفر شفاعته وأدخرها إلى يوم القيامة .
وقد ورد التصريح بأن هذه الشفاعة هي المرادة في هذا الحديث ، ففي الحديث الذي خرجه الإمام أحمد من حديث عمرو بن شعيب ، عن أبيه ، عن جده ، عن النَّبيّ ، قَالَ : (( أعطيت الليلة خمسا ما أعطيهن نبي كان قبلي ))- فذكر الحديث ، إلى أن قَالَ : (( والخامسة هي ما هي : قيل لي سل؛ فإن كل نبي قد سأل، فأخرت مسألتي إلى يوم القيامة، فهي لكم ولمن شهد أن لا إله إلا الله )).
وخرج – أيضا – من حديث أبي موسى ، عن النَّبيّ  قَالَ : (( أعطيت خمسا لم يعطهن أحد كان قبلي )) – فذكره ، وقال في آخره : (( وأعطيت الشفاعة، وإنه ليس من نبي إلا قد سأل شفاعته، وإني أخرت شفاعتي، جعلتها لمن مات من أمتي لا يشرك بالله شيئا )).
وفيه - أيضا – من حديث ابن عباس، عن النبي، قال: (( لم يكن نبي إلا له دعوة ينجزها في الدنيا، وإني اختبأت دعوتي شفاعة لأمتي يوم القيامة، وأنا سيد ولد ادم ولا فخر، وأول من تنشق عنه الأرض ولا فخر، وبيدي لواء الحمد وآدم ومن دونه تحت لوائي )).
وخرج الترمذي وابن ماجه من حديث أبي سعد، عن النبي، قال: ((أنا سيد ولد آدم ولا فخر، وأنا أول من تنشق عنه الأرض يوم القيامة، وأنا أول شافع وأول مشفع ولا فخر، ولواء الحمد بيدي ولا فخر)).
وفي (( الصحيحين )) عن أبي هُريرةَ ، عن النبي  قَالَ : (( لكل نبي دعوة يدعو بها، فأريد أن أختبئ دعوتي شفاعة لأمتي يوم القيامة )) .
وفي ((صحيح مسلم)) عن جابر، عن النَّبيّ  ، قَالَ : ((لكل نبي دعوة قد دعا بها أمته، وخبأت دعوتي شفاعة لأمتي يوم القيامة )) .
وفيه - أيضا – نحوه من حديث أنس ، عن النَّبيّ  .
وفي حديث عبد الرحمان بن أبي عقيل : سمع النبي  يقول : (( إن الله لم يبعث نبيا إلا أعطاه دعوة ، فمنهم من اتخذها دنيا فأعطاها ، ومنهم من دعا بها على قومه إذ عصوه فهلكوا ، وإن الله أعطاني دعوة ، فاختبأتها عند ربي شفاعة لأمتي يوم القيامة )) .
خرجه البزار وغيره.
وفي ((المسند)) عن عبادة بن الصامت ، عن النبي  قَالَ : (( إن الله أيقظني فقال : إني لم أبعث نبيا ولا رسولا إلا وقد سألني مسالة أعطيتها إياه ، فسل يا محمد تعط ؟ فقلت : مسألتي شفاعة لأمتي يوم القيامة )) ، فقال أبو بكر : يا رسول الله ، وما الشفاعة التي اختبأت عندك ؟ قال : (( أقول : يارب ، شفاعتي التي اختبأت عندك ، فيقول الرب تبارك وتعالى : نعم ، فيخرج ربي تبارك وتعالى بقية أمتي من النار، فينبذهم في الجنة )) .
والمراد من هذه الأحاديث - والله أعلم -: أن كل نبي أعطي دعوة عامة شاملة لأمته ، فمنهم من دعا على أمته المكذبين له فهلكوا ، ومنهم من سأل كثرتهم في الدنيا كما سأله سليمان  ، واختص النَّبيّ  بأن ادخر تلك الدعوة العامة الشاملة لأمته شفاعة لهم يوم القيامة .
وقد ذكر بعضهم : شفاعة خامسة خاصة بالنبي  ، وهي : شفاعته في تخفيف عذاب بعض المشركين ، كما شفع لعمه أبي طالب ، وجعل هذا من الشفاعة المختص بها  .
وزاد بعضهم شفاعة سادسة خاصة بالنبي  ، وهي : شفاعته في سبعين ألفا يدخلون الجنة بغير حساب . وسيأتي ما يدل عليه - أن شاء الله تعالى .
وأما بعثته إلى الناس عامة ، فهذا مما اختص به  عن الأنبياء .
وفي (( المسند )) من حديث أبي ذر ، عن النَّبيّ  ، قَالَ : (( أعطيت خمسا لم يعطهن أحد قبلي )) - فذكر منها -: (( وبعثت إلى كل أحمر وأسود )) .
وفيه - أيضا - من حديث ابن عباس، عن النبي، قال: (( أعطيت خمسا لم يعطهن نبي قبلي، ولا أقولهن فخرا، بعثت إلى الناس كافة الأحمر والأسود )).
وفي (( مسند البزار )) من حديث ابن عباس ، عن النَّبيّ  ، قَالَ : ((أعطيت خمسا لم يعطها نبي )) - فذكر منها - : (( وكان النبي يبعث إلى خاصة قومه ، وبعثت إلى الجن والأنس )) - وذكر الحديث .
وقال : لفظ : (( الجن والأنس )) لا نعلمه إلا في هذا الحديث ، بهذا الإسناد .
قلت : وقد سبق أن في إسناده سالما أبا حماد ، وأن أبا حاتم قَالَ : هو مجهول .
ولكن روي ذكر الجن في حديث آخر ، ذكره ابن أبي حاتم في (( تفسيره )) تعليقا ، وفي إسناده رجل لم يسم ، عن عبادة بن الصامت ، أن النَّبيّ  خرج عليهم فقال : (( أن جبريل قال لي : أخرج فأخبر بنعمة الله التي أنعم بها عليك ، وفضيلته التي فضلت بها ، فبشرني أنه بعثني إلى الأحمر والأسود ، وأمرني أن أنذر الجن ، وآتاني كتابه وأنا أمي ، وغفر ذنبي ما تقدم وما تأخر ، وذكر اسمي في الأذان ، وأمدني بالملائكة ، وآتاني النصر ، وجعل الرعب أمامي ، وآتاني الكوثر ، وجعل حوضي من أعظم الحياض يوم القيامة ، ووعدني المقام المحمود والناس مهطعين مقنعي رؤسهم ، وجعلني في أول زمرة تخرج من الناس ، وأدخل في شفاعتي سبعين ألفا من أمتي الجنة بغير حساب ، وآتاني السلطان والملك ، وجعلني في أعلى غرفة في الجنة ، فليس فوقي إلا الملائكة الذين يحملون العرش ، وأحل لي ولأمتي الغنائم ولم تحل لأحد كان قبلنا )) .
وفي (( صحيح مسلم )) ، عن أبي هُريرةَ ، عن النَّبيّ  ، قَالَ : (( فضلت على الناس بست : أعطيت جوامع الكلم ، ونصرت بالرعب ، وأحلت لي الغنائم ، وجعلت لي الأرض طهورا ومسجدا ، وأرسلت إلى الخلق كافة ، وختم بي النبيون )) .
وقوله : (( إلى الخلق كافة )) يدخل فيه الجن بلا ريب .
وفي (( صحيح ابن خزيمة )) عن حذيفة ، عن النَّبيّ  ، قَالَ : (( فضلت على الناس بثلاث )) - فذكر الثالثة ، قَالَ : (( وأعطيت هذه الآيات من أخر سورة البقرة من كنْز تحت العرش ، لم يعط منه أحد قبلي ولا أحد بعدي )) .
وهذه الخصلة الثالثة لم تسم في (( صحيح مسلم )) ، بل فيهِ : (( وذكر خصلة أخرى )) كما تقدم .
ومن تأمل هذه النصوص علم أن الخصال التي اختص بها عن الأنبياء لا تنحصر في خمس ، وأنه إنما ذكر مرة ستا ومرة خمسا ومرة أربعا ومرة ثلاثا بحسب ما تدعو الحاجة إلى ذكره في كل وقت بحسبه . والله أعلم .

* * *






2- باب
إذا لم يجد ماء ولا ترابا
خرج فيه :
336- حديث : هشام بن عروة ، عن أبيه ، عن عائشة ، أنها استعارت من أسماء قلادة ، فهلكت ، فبعث رسول الله  رجلا فوجدها ، فأدركتهم الصلاة وليس معهم ماء ، فصلوا فشكوا ذلك إلى رسول الله  ، فأنزل الله تعالى آية التيمم. فقال أسيد بن حضير لعائشة : جزاك الله خيرا ، فوالله ما نزل بك أمر تكرهينه إلا جعل الله ذلك لك وللمسلمين فيه خيرا .
قد سبق : أن رواية هشام بن عروة ، عن أبيه ، عن عائشة لهذا الحديث تخالف رواية عبد الرحمان بن القاسم ، عن أبيه ، عن عائشة ؛ فإن عبد الرحمان ذكر في روايته : أن عقدا لعائشة انقطع ، وأن رسول الله  أقام على التماسه ، وأنه نام حتّى أصبح على غير ماء ، فنزلت آية التيمم .
وأما عروة ، فذكر في روايته : أن قلادة لأسماء استعارتها عائشة فهلكت – يعني : أنهم فقدوها -، فأرسل رسول الله  في طلبها فأدركتهم الصلاة وليس معهم ماء ، فصلوا فشكوا ذلك إلى النَّبيّ  ، فنزلت آية التيمم .
وفي حديث ابن القاسم ، عن أبيه : أنهم بعثوا البعير، فوجدوا العقد تحته .
وفي حديث ابن عروة، عن أبيه: أن الذين أرسلهم في طلبها وجدوها.
فزعم بعض الناس أن عائشة كان لها عقد انقطع وقلادة فقدت ، فأرسل في طلب القلادة وأقاموا على التماس العقد ، وفي هذا نظر . والله أعلم .
ورجحت طائفة رواية مالك ، عن ابن القاسم ، عن أبيه على رواية هشام ، عن أبيه ، ومنهم : القاضي إسماعيل المالكي ، وقال : بلغني عن يحيى القطان أنه كان ينكر أشياء حدث بها هشام في آخر عمره لما ساء حفظة .
وقد استدل البخاري بهذا الحديث الذي رواه هشام ، عن أبيه على أن من لم يجد ماء ولا ترابا أنه يصلي على حسب حاله، فإنهم صلوا بغير وضوء ، ولم يكن شرع التيمم قبل ذلك ، وشكوا ذلك إلى النبي  ولم يأمرهم بإعادة الصَّلاة .
وزعم بعضهم : أن رواية القاسم ، عن عائشة ، أن النبي  نام حتى أصبح على غير ماء يدل على أنه لم يصل هو ولا من معه ، وهذا في غاية الضعف .
وقد قررنا في ما تقدم : أن آية سورة النساء التي فيها ذكر التيمم كان نزولها سابقا لهذه القصة ، وأن توقفهم في التيمم إنما كان لضنهم أن من فوت الماء لطلب مال له لا رخصة له في التيمم ، فنزلت الآية التي في سورة المائدة مبينة لجواز التيمم في مثل ذلك.
والظاهر : أن الجميع صلوا بالتيمم ولكن حصل لهم شك في ذلك ، فزال ذلك عنهم بنزول آية المائدة . والله أعلم .
واختلف العلماء في حكم من لم يجد ماءا ولا ترابا على أربعة أقوال :
أحدها : أنه يصلي بحسب حاله ، ولا قضاء عليه ، وهو قول مالك وأحمد في رواية عنهما ، وأبي ثور والمزني وغيرهم ، وحكي قولا قديما للشافعي.
وعليه بوب البخاري ، واستدل بحديث عائشة الذي خرجه هاهنا؛ فإنهم شكو ذَلكَ إلى النَّبيّ  ، ولم يذكر أنه أمرهم بقضاء صلاتهم ؛ ولأن الطهارة شرط ، فإذا عجز عنها سقطت عنه ، كاستقبال القبلة وستر العورة .
والثاني : يصلي ويعيد ، وهو قول مالك في رواية ، والشافعي ، وأحمد في رواية عنه نقلها عنه أكثر أصحابه .
والثالث : لا يصلي ويعيد صلاته ، وهو قول الثوري والأوزاعي وأبي حنيفة ، وهو قول قديم للشافعي .
واستدلوا : بقوله  : ((لا يقبل الله صلاة بغير طهور)) .
ويجاب عنه : بان ذلك مع القدرة ، كما في قوله  : ((لا يقبل الله صلاة أحدكم إذا أحدث حتى يتوضأ )) ، ولا خلاف أنه لو عدم الماء وصلى بالتيمم قبلت صلاته .
والرابع : أنه لا يصلى ولا إعادة عليه ، وهو رواية عن مالك ، وقول بعض الظاهرية ، وحكاه بعضهم رواية عن أبي ثور .
وهو أردأ الأقوال وأضعفها ، ويرده قول الله تعالى :  فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ  [التغابن:16] ، وقول النَّبيّ  : ((إذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم)).
وليس هذا كالحائض ؛ فإن الحائض ليست من أهل الطهارة ، ولا يصح منها لو فعلتها ، وهذا من أهلها وهو عاجز عنها .
وأما قول أسيد بن حضير لعائشة - رضي الله عنها -: (( جزاك الله خيرا فوالله ما نزل بك أمر تكرهينه إلا جعل الله ذلك لك وللمسلمين خيرا )).
فيه إشعار بأن هذه القصة كانت بعد قصة الإفك ، وقد تقدم أن بعض أهل السير ذكر أن هذه القصة كانت هي وقصة الإفك في سفرة واحدة ، وهذا يشكل عليه قول أسيد بن حضير هذا؛ فإن الفرج الذي حصل من قضية الإفك إنما وقع بعد قدومهم المدينة بمدة ، وظاهر سياق حديث عائشة يدل على أن أسيد بن حضير قَالَ ذَلكَ عقيب نزول آية التيمم .
وقد زعم بعضهم : أن هذا قاله أسيد بن حضير بعد نزول الآيات في قصة
الإفك ، وبعد نزول آية التيمم ، وهو مخالف لظاهر هذه الرواية . والله أعلم .
وقد استحب الثوري وأحمد : حمل التراب للمسافر كما يستحب له حمل الماء للطهارة ، ومن المتأخرين من أنكره ، وقال : هو بدعة .



* * *

3ـ باب
التيمم في الحضر إذا لم يجد الماء وخاف فوت الصلاة
وبه قال عطاء .
وقال الحسن في المريض عنده الماء ولا يجد من يناوله : تيمم .
وأقبل ابن عمر من أرضه بالجرف ، فحضرت العصر بمربد النعم ، فصلى ، ثم دخل المدينة والشمس مرتفعة ، فلم يعد .
هذه الآثار الثلاثة التي علقها البخاري تشتمل على ثلاثة مسائل :
المسألة الأولى :
أن من عدم الماء في الحضر فله أن يتيمم ويصلي ، وقد حكاه عن عطاء ، وهو قول جمهور العلماء .
وقد سبقت الإشارة إلى الاختلاف في هذه المسألة ، وان السفر هل هو شرط لجواز التيمم أم كان ذكره في القران لان السفر مظنة عدم الماء غالبا ؟ والأكثرون على الثاني ، فلو لم يجد الماء في الحضر تيمم وصلى .
واختلفوا: هل يعيد إذا وجد الماء أم لا ؟ فقال الليث وأبو حنيفة والشافعي :
يعيد ، وهو وجه لأصحابنا .
ومنهم من فرق بين أن تقصر مدة عدم الماء في الحضر فيعيد ، وبين أن تطول فلا يعيد ، والصحيح من المذهب : أنه لا يعيد ، وهو قول مالك والثوري وإسحاق والمزني وغيرهم .
وذهبت طائفة إلى أنه لا يصلي حتى يجد الماء أو يسافر ، وهو رواية عن أبي
حنيفة ، وروايــة عن أحمد اختاره الخلال والخرقي وحكي عن زفر وداود .
ومن أصحابنا من قال : إن كان يرجو حصول الماء قريبا لم يصلي حتى يجده ، وإن فات الوقت .
المسألة الثانية :
أن المريض إذا كان يجد الماء ، ولكن ليس عنده من يناوله إياه ، فإنه يتيمم
ويصلي ، حكاه عن الحسن ، وهو –أيضا- قول الأوزاعي والشافعي وأحمد وأكثر
العلماء .
وعن الشافعي : يعيد ، وحكي رواية عن أحمد ، وظاهر كلامه أنه لا يعيد ، وهو المشهور عند أصحابنا .
ولأصحابنا وجه : أنه إن رجا أن يجد من يناوله الماء بعد الوقت قريبا لم يصل بالتيمم ، وأخر حتى يجيء من يناوله .
والصحيح : الأول ، وأنه يصلي بالتيمم في الوقت ، ولا يؤخر الصلاة إلى أن يقدر على الوضوء بعده ، كما لا يؤخر المسافر الصلاة إذا رجا الوصول إلى الماء بعد الوقت عقيبه .
وخرج ابن أبي حاتم من رواية قيس ، عن خصيف ، عن مجاهد ، في قوله تعالى :  وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى [النساء:43] ، قَالَ : نزلت في رجل من الأنصار ، كان مريضا فلم يستطع أن يقوم فيتوضأ ، ولم يكن له خادم فيناوله ، فأتى رسول الله  فذكر ذلك له ، فأنزل الله تعالى هذه الآية .
المسألة الثالثة:
أنه يجوز التيمم بقرب المصر إذا لم يجد الماء ، وان كان يصل إلى المصر في الوقت ، هذا هو المروي عن ابن عمر  ، وقد احتج به الإمام أحمد ، وقال : كان ابن عمر يتيمم قبل أن يدخل المدينة ، وهو يرى بيوت المدينة .
وهذا الأثر مشهور عن ابن عمر من رواية نافع عنه ، وقد رفعه بعضهم ، خرجه الدارقطني والبيهقي مرفوعا . قال البيهقي : وهو غير محفوظ .
ولفظ المرفوع : أن ابن عمر قَالَ : رأيت النبي  تيمم بموضع يقال له : مربد النعم ، وهو يرى بيوت المدينة .
وخرج الأثرم من طريق أيوب ، عن نافع ، عن ابن عمر ، أنه اقبل من أرضه التي بالجرف ، حتى إذا كان بمربد النعم حضرت الصلاة صلاة العصر ، فتيمم وهو ينظر إلى بيوت المدينة .
وقد روى الشافعي ، عن ابن عيينة ، عن ابن عجلان ، عن نافع ، أن ابن عمر أقبل من الجرف حتى كان بالمربد تيمم وصلى العصر ، ثم دخل المدينة والشمس مرتفعة فلم يعد الصَّلاة .
(( الجرف )): بضم الجيم والراء -: موضع بينه وبين المدينة ثلاثة أميال .
و(( المربد )) : مكان بقرب المدينة .
ورواه سفيان الثوري ، عن ابن عجلان ، عن نافع ، أنه تيمم على راس ميل أو ميلين من المدينة ، فصلى العصر ، ثم قدم والشمس مرتفعة ، فلم يعد .
خرجه حرب الكرماني .
ورواه -أيضا- مالك ، عن نافع ، قَالَ : أقبلت مع ابن عمر من الجرف حتى إذا بلغ المربد تيمم ، ثم صلى .
ورواه العمري ، عن نافع ، عن ابن عمر ، أنه تيمم وصلى ثم دخل المدينة في وقت ، فلم يعد ، ورواه أبو معشر ، عن نافع ، عن ابن عمر ، قَالَ : اقبلنا من الغابة ، حتى إذا كنا بمربد النعم جاءت الصلاة ، فتيمم ، وصلى العصر ، ثم دخل المدينة .
وهذا المروي عن ابن عمر يؤخذ منه عدة مسائل :
منها : أنه تجوز الصلاة بالتيمم في أول وقت للمسافر ، وان علم أنه يصل إلى الماء قبل خروج الوقت ، وهذا قول أكثر العلماء ، ومنهم من حكاه إجماعا ، واستدل أحمد لذلك بحديث ابن عمر هذا. وحكي عن الشافعي قول : أنه لا يجوز .
ومنها : أن المسافر سفرا قصيرا له أن يتيمم فيه كالسفر الطويل ، وهو قول جمهور العلماء -أيضا- ، وحكي فيه خلاف شاذ في مذهب الشافعي ، ومن أصحابه من لم يثبته عنه ، وقال: إنما حكاه الشافعي عن غيره ، وهو وجه ضعيف لأصحابنا -أيضا.
وقد تقدم : أن عدم الماء في الحضر يبيح التيمم عند الأكثرين ، لكن منهم من أوجب الإعادة فيه ، فمن قال: يعيد إذا تيمم في الحضر ، وقال : لا يتيمم إلا في سفر طويل جعل حكم السفر القصير حكم الحضر في الإعادة إذا صلى فيه بالتيمم .
وحكى ابن عبد البر ، عن محمد بن مسلمة المالكي ، أنه حمل ما فعله ابن عمر على أنه خاف فوت الوقت ، وهذا يدل على أنه يرى أن الحاضر إذا كان عادما للماء لم يتيمم ، إلا أن يخاف فوت الوقت .
وسئل ابن المبارك : عن الراعي تكون الماشية منه على الميلين والثلاثة ؟ فذكر عن سعيد بن المسيب ، قَالَ : يتيمم ويصلي .
وقال أبو داود : قلت لأحمد : الرجل يخرج على الميلين والثلاثة والأكثر ، فتحضره الصلاة ، أيتيمم ؟ قَالَ : إذا خاف يتيمم . قيل له فيعيد ؟ قال : لا .
قال : حرب : قلت لإسحاق - يعني : ابن راهويه -: فرجل من المدينة على فرسخ ، وليس في سفر ، فحضرت الصلاة ، وليس له ماء ، أيتيمم ويصلي ؟ فقل : نعم . قلت : يعيد ؟ قال : لا ، وانأ أرى في الحضر التيمم .
قَالَ : وسألته عن رجل في الصيد ، وليس هو في سفر ، فحضرت الصلاة ، ولم يكن معه ماء ، فتيمم وصلى ؟ قال: إن كان في معصية يعيد ، وان كان للكسب على عياله لا يعيد.
وروى حرب بإسناده عن الزهري ، في رجل ينتجع الكلأ فلا يجد الماء ؟ قال: لا نرى أن يقيم بالأرض ليس فيها ماء. قال الوليد بن مسلم ذكرته لبعض المشيخة ، فقال: سمعت أن معاذ بن جبل ذكر ذلك له ، فقال: لو لم يكن لهم ذلك لم يكن لنا أن نتركهم وذلك.
والمنصوص عن أحمد في الحطاب ونحوه : لا يرخص لهم في ترك حمل ماء
الوضوء ، وإنه إذا لم يكن معهم ماء فلا يتيممون ، وحمله القاضي على أن السفر القصير لا تيمم فيه.
Razz Razz Razz Razz Razz Razz Razz Razz
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://1230m.allahmuntada.com
 
صحيح البخاري من 1الى 15 الجزء الثانى مكتبة الدرر السنية
استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة 
صفحة 1 من اصل 1

صلاحيات هذا المنتدى:لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى
الابراهمية للخد مــــــــــــــــــا ت :: كتب الحديث-
انتقل الى: