الابراهمية للخد مــــــــــــــــــا ت

منتـــــــــــدى خـــــــــــــــــدمى
 
الرئيسيةاليوميةس .و .جبحـثالأعضاءالمجموعاتالتسجيلدخول

شاطر | 
 

 صحيح البخاري من 32 45 ج2 مكتبة الدرر السنية

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل 
كاتب الموضوعرسالة
Admin
Admin
avatar

المساهمات : 71
تاريخ التسجيل : 03/02/2016
العمر : 46
الموقع : مصر

مُساهمةموضوع: صحيح البخاري من 32 45 ج2 مكتبة الدرر السنية   الأحد فبراير 28, 2016 1:27 pm

وأما ما حكاه عن يحيى بن سعيد ، أنه لا بأس بالتيمم بالسبخة والصلاة عليها :
فالأرض السبخة هي المالحة التي لا تنبت ، وأكثر العلماء على جواز التيمم بها ، وقد تيمم النبي  بالجدار خارج المدينة ، وأرض المدينة سبخة ، وهو قول مالك والأوزاعي والثوري وأبي حنيفة والشافعي وغيرهم .
وقال إسحاق : لا تيمم بالسباخ لأنها لا تنبت ، وقد فسر ابن عباس الصعيد الطيب بأرض الحرث ، والسباخ ليست كذلك .
واختلف قول الإمام أحمد فيه ، فقال - في رواية - : لا يعجبني التيمم بها . وقال - مرة - : أن لم يجد فلا بأس . وقال - مرة - : أن تيمم منها يجزئه ، وأرض الحرث أحب إلي . وقال - مرة - : أن اضطر إليها أجزأه ، وإن لم يضطر فلينظر الموضع الطيب - يعني : تراب الحرث - قال - مرة - : من الناس من يتوقى ذلك ، وذلك أن السبخة تشبه الملح .
واستدل بقول ابن عباس : (( أطيب الصعيد أرض الحرث )) . ولكن هذا يدل على أن غير أرض الحرث تسمى صعيدا- أيضا- ، لكن أرض الحرث أطيب منها .
قال أبو بكر الخلال : السباخ ليس هي عند أبي عبد الله كأرض الحرث ، إلا أنه سهل بها إذا اضطر إليها ، وإنما سهل بها إذا كان لها غبار ، فأما أن كانت قحلة كالملح فلا يتيمم بها أصلا .
وأما الصلاة في السباخ ، فقال أحمد - مرة - : تجزئه ، وقال - مرة - : ما سمعت فيها شيئاً.
وقال حرب : قلت لأحمد : هل بلغك أن أحدا كره الصلاة في الأرض السبخة ؟ قال : لا .
قال حرب : ثنا عبد الوهاب بن الضحاك : حدثني إسماعيل بن عياش ، قال : سمعت أناسا من أهل العلم يكرهون الصلاة في السباخ ، ورخص جماعة من أهل العلم في الصلاة في السباخ .
عبد الوهاب هذا ، لا يعتمد عليه .
وخرج البخاري في هذا الباب حديث عمران بن حصين بطوله ، فقال :
344- حدثنا مسدد بن مسرهد : ثنا يحيى بن سعيد : ثنا عوف : ثنا أبو رجاء ، عن عمران بن حصين ، قال : كنا في سفر مع النبي  ، وإنا أسرينا ، حتى كنا في آخر الليل وقعنا وقعة ، ولا وقعة أحلى عند المسافر منها ، فما أيقظنا إلا حر الشمس ، فكان أول من استيقظ فلان ثم فلان ثم فلان - يسميهم أبو رجاء ، فنسي عوف - ، ثم عمر بن الخطاب الرابع ، وكان النبي  إذا نام لم نوقظه حتى يكون هو يستيقظ ؛ لأنا لا ندري ما يحدث له في نومه ، فلما استيقظ عمر ورأى ما أصاب الناس – وكان رجلا جليدا – فكبر ورفع صوته بالتكبير ، فما زال يكبر ويرفع صوته بالتكبير حتى استيقظ لصوته النبي  ، فلما استيقظ شكوا إليه الذي أصابهم ، فقال : (( لا ضير – أو : لا يضير - ، ارتحلوا )) ، فارتحلوا فسار غير بعيد . ثم نزل فدعا بالوضوء فتوضأ ، ونودي بالصلاة ، فصلى بالناس ، فلما انفتل من صلاته إذا هو برجل معتزل لم يصل مع القوم ، فقال : ((ما منعك يا فلان أن تصلي مع القوم ؟)) قال : أصابتني جنابة ، ولا ماء ، قال : (( عليك بالصعيد ؛ فإنه يكفيك )) ، ثم سار النبي  ، فاشتكى الناس إليه من العطش ، فنـزل فدعا فلانا - كان يسميه أبو رجاء ، نسيه عوف - ، ودعا عليا ، فقال : ((أذهبا فابتغيا الماء)) فانطلقا فتلقيا امرأة بين مزادتين - أو سطيحتين - من ماء على بعير لها ، فقالا لها : أين الماء ؟ قالت : عهدي بالماء أمس هذه الساعة ، ونفرنا خلوفا ، فقالا لها : انطلقي إذا ، قالت : إلى أين ؟ قالا : إلى رسول الله  قالت : الذي يقال له الصابئ ؟ قالا : هو الذي تعنين ، فانطلقي ، فجاءا بها إلى النبي  ، وحدثاه الحديث ، قال : فاستنزلوها عن بعيرها ، ودعا النبي بإناء ، ففرغ فيه من أفواه المزادتين - أو السطيحتين - ، وأوكأ أفواهمها ، وأطلق العزالي ، ونودي في الناس : اسقوا واستقوا ، فسقى من سقى ، واستقى من شاء ، وكان آخر ذلك أن أعطى الذي أصابته الجنابة إناء من ماء ، قال : ((اذهب فأفرغه عليك)) . وهي قائمة تنظر إلى ما يفعل بمائها ، وايم الله ، لقد اقلع عنها وإنه ليخيل إلينا أنها أشد ملأة منها حين ابتدأ فيها ، فقال النبي  : ((اجمعوا لها)) ، فجمعوا لها من بين عجوة ودقيقة وسويقة ، حتى جمعوا لها طعاما فجعلوه في ثوب ، وحملوها على بعيرها ، ووضعوا الثوب بين يديها . قال لها : ((تعلمين ما رزئنا من مائك شيئا ، ولكن الله هو الذي أسقانا)) ، فأتت أهلها وقد احتبست عنهم ، قالوا : ما حبسك يا فلانة ؟ قالت : العجب ! لقيني رجلان ، فذهبا بي إلى هذا الرجل الذي يقال له : الصابئ ، ففعل كذا وكذا ، فو الله ، أنه لأسحر الناس من بين هذه وهذه - وقالت بإصبعيها الوسطى والسبابة فرفعتهما إلى السماء - والأرض - ، أو أنه لرسول الله حقا ، فكان المسلمون بعد ذلك يغيرون على من حولها من المشركين ولا يصيبون الصرم الذي هي منه ، فقالت يوما لقومها : ما أرى أن هؤلاء القوم يدعونكم عمدا ، فهل لكم في الإسلام ؟ فأطاعوها فدخلوا في الإسلام .
قَالَ أبو عبد الله : صبأ : خرج من دين إلى غيره .
وقال أبو العالية : الصابئون : فرقة من أهل الكتاب يقرءون الزبور .
فوائد هذا الحديث كثيرة جدا ، ونحن نشير إلى مهماتها إشارة لطيفة - أن شاء الله تعالى :
فأما قوله : ((كان النبي  إذا نام لم يوقظه أحد حتى يكون هو يستيقظ ، لأنا لا ندري ما يحدث له في نومه)) ، فالمراد : أنه  كان يوحى إليه في نومه كما يوحى إليه في يقظته ، ورؤيا الأنبياء وحي ، ولهذا كانت تنام أعينهم ولا تنام قلوبهم ، فكانوا يخشون أن يقطعوا عليه الوحي إليه بإيقاظه .
ولا تنافي بين نومه حتى طلعت الشمس وبين يقظة قلبه ؛ فإن عينيه تنامان ، والشمس إنما تدرك بحاسة البصر لا بالقلب .
وقد يكون الله  أنامه حتى يسن لأمته قضاء الصلاة بعد فوات وقتها بفعله ، فإن ذلك آكد من تعليمه له بالقول ، وقد ورد التصريح بهذا من حديث ابن مسعود ، أن النبي  لما صلى بهم الصبح ذلك اليوم بعد طلوع الشمس وانصرف قال : ((أن الله  لو شاء أن لا تناموا عنها لم تناموا ، ولكن أراد أن يكون لمن بعدكم)) . خرجه الإمام أحمد وغيره .
وهذا يشبه ما ذكره مالك في (( الموطإ )) أنه بلغه عن النبي  ، أنه قال : ((إنما أنسى لأسن)) .
وقوله : ((ما أيقظنا إلاّ حر الشمس )) ، يدل على أن الشمس كانت قد ارتفعت وزال وقت النهي عن الصلاة ، لأن حرها لا يكاد يوجد ألا بعد ذلك ، ففي هذا دليل على أن ارتحالهم عن ذلك المكان لم يكن للامتناع من القضاء في وقت النهي عن الصلاة ، بل كان تباعدا عن المكان الذي حضرهم فيه الشيطان ، كما جاء التصريح به في حديث آخر .
ولكن في صحيح مسلم في هذا الحديث - أعني : حديث عمران بن حصين ، أنهم ناموا حتى بزغت الشمس وان النبي  لما رفع رأسه ورأى الشمس قد بزغت قال : ((ارتحلوا)) فسار بنا حتى إذا ابيضت الشمس نزل فصلى بنا الغداة .
كذا خرجه من رواية سلم بن زرير ، عن أبي رجاء ، وفي سياقه بعض مخالفة لرواية عوف ، عن أبي رجاء التي خرجها البخاري ، وفيه : أنه كان أول من استيقظ أبو بكر - رضي الله عنه .
وقوله : (( فدعا رسول الله  بالوضوء فتوضأ )) يدل على أن من معه ماء وكان في مفازة فإنه يتوضأ منه ، ولا يتيمم ويحبسه خشية أن يبتلى هو أو أحد من رفقته
بعطش .
ويدل على هذا : أن عمران ذكر أن النبي  لما صلى بهم وسار شكى الناس إليه العطش .
وفي رواية سلم المشار إليها : قال عمران : ثم عجلني في ركب بين يديه ، نطلب الماء وقد عطشنا عطشا شديدا - وذكر الحديث ، وهذا محمول على أنه  لم يخش على نفسه عطشا ، فإن من خاف على نفسه العطش ومعه ماء يسير فإنه يتيمم ويدعه لشربه .
وقد روى عطاء بن السائب ، عن سعيد بن جبير ، عن ابن عباس ، قال : إذا كنت مسافرا وأنت جنب أو أنت على غير وضوء فخفت أن توضأت أن تموت من العطش فلا توضأ ، واحبسه لنفسك .
خرجه الأثرم .
وخرجه الدارقطني من طريق عطاء بن السائب ، عن زاذان ، عن علي ، في الرجل يكون في السفر فتصيبه الجنابة ومعه الماء القليل يخاف أن يعطش ، قال : يتيمم ولا
يغتسل .
قال الإمام أحمد : عدة من أصحاب النبي  يحبسون الماء لشفاههم ويتيممون . ونص على أنه لو رأى قوما عطاشا ومعه إداوة من ماء ، أنه يسقيهم الماء ويتيمم .
واختلف أصحابنا : هل ذلك على الوجوب أو الاستحباب ؟ على وجهين ، أصحهما : أنه للوجوب ، وهو قول الشافعية .
فهذا الحديث محمول على أنه  لم يخف على نفسه عطشا ، ولم يجد قوما عطاشا في الحال ، فلذلك توضأ بالماء ولم يتيمم . ويدل على أنه لا يحبس الماء لخوف عطش يحدث لرفقته .
ولم ينص أحمد على حبس الماء خشية عطش يحدث لرفقته ، وإنما قال أصحابه متابعة لأصحاب الشافعي ، وقالوا : هل حبس الماء لعطش غيره المتوقع واجب أو مستحب ؟ فيه وجهان ، قالوا : وظاهر كلام أحمد أنه مستحب غير واجب ؟ لان حاجة الغير هنا متوقعة وحاجته للطهارة حاضرة ، وقد ترجحت بكونه مالكا ، ولهذا قدمنا نفقة الخادم على نفقة الوالدين ، وان كانت حاجتهما إلى النفقة اشد من حاجة نفسه إلى الخدمة ، تقديما لنفسه على غيره .
قلت : وحديث عمران يدل على أنه لا يستحب - أيضا - بل يقدم الوضوء على عطش الرفيق المتوقع ، فإنه لو كان ذلك أفضل من الوضوء لحبس النبي  الماء وتيمم ، فإنه كان معه خلق من أصحابه ، وكان الماء معهم قليلا جدا ولهذا شكوا إليه العطش عقيب ذلك عند اشتداد حر الشمس وارتفاع النهار ، وكان الماء منهم بعيدا .
وقد أشار إلى هذا المعنى الذي ذكرناه أبو المعالي الجويني من الشافعية ، وخالف أصحابه فيما ذكروه من حبس الماء لعطش رفقته المتوقع ، وهذا هو الذي دلت عليه هذه السنة الصحيحة ، والله أعلم .
وفي الحديث : دليل على أن الفوائت يؤذن لها وتصلى جماعة .
وقوله  للذي لم يصل مع القوم : ((ما منعك أن تصلي مع القوم ؟)) قَالَ : أصابتني جنابة ولا ماء . قَالَ : (( عليك بالصعيد ، فإنه يكفيك )) فيه دليل على التيمم للجنابة كالتيمم للحدث الأصغر ، ودليل على أن عادم الماء يكفيه الصعيد من الماء .
ولهذه الكلمة خرج البخاري هذا الحديث في هذا الباب ، وجعله دليلا له على إقامة التيمم مقام الطهارة بالماء عند عدم الماء ، فيؤخذ من هذا أنه يصلي به كما يصلي بالماء ، كما هو اختيار البخاري ومن قال بقوله من العلماء .
وفية دليل على أنه لا يجب طلب الماء إذا غلب على الظن عدمه أو قطع بذلك ، فإنه  أمره بالتيمم ، ولم يأمره بطلب ، ولا بسؤال رفقته .
وقد ذهب ابن حامد من أصحابنا إلى أنه لا يلزمه سؤال رفقته ، وان قلنا : يلزمه الطلب ، وأنه إنما يلزمه طلبه في رحله ما قرب منه إذا احتمل وجود الماء ، والمنصوص عن أحمد : أن عليه أن يطلبه في رفقته .
وفي رواية مسلم المشار إليها فيما تقدم : أن النبي  قال للرجل : (( يا فلان ما منعك أن تصلي معنا ؟ )) قال : يا نبي الله ، أصابتني جنابة . فأمره رسول الله  ، فتيمم بالصعيد ، فصلى .
وفي الحديث - أيضا - أن النبي  لما جاءه الماء أعطاه ماء وأمره أن يغتسل به ، وهذا مثل قوله في حديث أبي ذر : (( فإذا وجدت الماء فأمسه بشرتك )) ، وفيه رد على أبي سلمة في قوله : أنه لا غسل عليه ، كما سبق .
وقول تلك المرآة : (( ونفرنا خلوف )) .
قال الخطابي : النفر الرجال ، والخلوف الذين خرجوا للاستقاء ، وخلفوا النساء والأثقال ، يقال : أخلف الرجل واستخلف إذا استقى الماء .
قال : ويقال لكل من خرج من دين إلى دين آخر : صابئ - بالهمز ، وأما : صبا يصبو بلا همز فمعناه : مال .
قال : والعزالي جمع عزلاء ، وهي عروة المزادة ، يخرج منها الماء بسعة .
وقال غيره : العزلاء : فم المزادة الأسفل ، وتجمع على عزالى وعزالي - بكسر اللام وفتحها - كالصحاري والعذاري .
قال : والصرم : النفر النازلون على ماء ، وتجمع على أصرام ، فأما الصرمة - بالهاء - فالقطعة من الإبل نحو الثلاثين عددا .
قال : وقوله : (( ما رزئناك )) ، أي : ما نقصناك ، ولا أخذنا منك شيئا .
قلت : وفي الحديث معجزة عظيمة ، وعلم من أعلام نبوة النبي  بتكثير الماء القليل ببركته ، وإرواء العطاش منه ، واستعمالهم وأخذهم منه في قربهم ، من غير أن ينقص الماء المأخوذ منه شيئا ، ولذلك قال المرآة : ((ما رزئناك من مائك شيئا ، وإنما سقانا الله  )) .
وفي رواية مسلم المشار إليها في هذا الحديث : ((فأمر براويتها فأنيخت ، فمج في العزلاوين العلياوين ، ثم بعث براويتها فشربنا ، ونحن أربعون رجلا عطاش حتى روينا ، وملأنا كل قربة معنا وإداوة ، وغسلنا صاحبنا ، غير أنا لم نسق بعيرا وهي تكاد تنضرج من الماء)) - يعني : المزادتين - وذكر بقية الحديث .
وإنما لم يستأذن المرآة أولا في الشرب من مائها والأخذ منه ، لأن انتفاعهم إنما كان بالماء الذي أمده الله بالبركة ، لم يكن من نفس مائها ، ولذلك قال : ((ما رزئناك من مائك شيئا ، وإنما سقانا الله )) .
ونظير هذا : أن جابرا صنع للنبي  طعاما يسيرا في عام الخندق ، وجاء إلى النبي  فساره بذلك ، وقال له : تعال أنت في نفر معك ، فصاح النبي  : ((يا أهل
الخندق ، أن جابرا قد صنع لكم سورا ، فحيهلا بكم)) ، ثم جاء بهم جميعا ، فأكلوا حتى شبعوا ، والطعام بحاله .
فإن أكل أهل الخندق إنما كان مما حصلت فيه البركة بسبب النبي  ، فكان  هو الداعي لأهل الخندق كلهم إلى الطعام في الحقيقة ، فلذلك لم يحتج في استئذان جابر في ذلك .
وهذا بخلاف ما جرى لأبي شعيب اللحام لما دعاه النبي  وجلساءه ، فلما قاموا تبعهم رجل لم يكن معهم حين دعوا ، فقال النبي  لصاحب المنزل : ((أنه اتبعنا رجل لم يكن معنا حين دعوتنا ، فإن أذنت له دخل)) فأذن له فدخل .
وقد خرجاه في (( الصحيحين )) بمعناه من حديث أبي مسعود ، فإن ذلك اليوم لم يحصل فيه ما حصل في طعام جابر وماء المرآة المشركة – والله  أعلم - ، فإن غالب ما كان يقع منه  تكثير الطعام والشراب في أوقات الحاجة العامة إليه .
وفي حديث عمران - أيضا - دليل على جواز استعمال ماء المشركين الذين في قربهم ونحوها من أوعية الماء المعدة له ، وقد سبق الكلام على ذلك في (( كتاب
الوضوء )) .

* * *

7- باب
إذا خاف الجنب على نفسه المرض أو الموت
أو خاف العطش تيمم
ويذكر :أن عمرو بن العاص أجنب في ليلة باردة فتيمم ، وتلا :  وَلا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيماً  [النساء :29] ، فذكر ذلك للنبي  فلم يعنف ،
حديث عمرو بن العاص خرجه أبو داود من رواية يحيى بن أيوب ، عن يزيد بن أبي حبيب ، عن عمران بن أبي انس ، عن عبد الرحمان بن جبير ، عن عمرو بن العاص ، قال : احتلمت في ليلة باردة في غزوة ذات السلاسل ، فأشفقت أن اغتسلت أن اهلك ، فتيممت ثم صليت بأصحابي الصبح ، فذكروا ذلك للنبي  ، فقال : ((يا عمرو ، صليت بأصحابك وأنت جنب!)) فأخبرته بالذي منعني من الاغتسال ، وقلت : إني سمعت الله يقول :  وَلا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيماً  [النساء :29] ،فضحك رسول الله  ، ولم يقل شيئا .
وخرجه - أيضا - من طريق عمرو بن الحارث وغيره ، عن يزيد بن أبي الحبيب ، عن عمران ، عن عبد الرحمان بن جبير ، عن أبي قيس مولى عمرو بن العاص ، أن عمرو بن العاص كان على سرية - فذكر الحديث بنحوه ، وقال فيه : فغسل مغابنه وتوضأ وضوءه للصلاة ، ثم صلى بهم - وذكر باقيه بنحوه ، ولم يذكر التيمم .
وفي هذه الرواية زيادة : ((أبي قيس)) في إسناده ، وظاهرها الإرسال .
وخرجه الإمام أحمد والحاكم ، وقال : على شرط الشيخين ،وليس كما قال ، وقال أحمد : ليس إسناده بمتصل .
وروى أبو إسحاق الفزاري في ((كتاب السير)) عن الأوزاعي ، عن حسان بن عطية ، قال : بعث النبي  بعثا وامر عليهم عمرو بن العاص ، فلما اقبلوا سألهم عنه ، فأثنوا خيرا ، إلا أنه صلى بنا جنبا ، فسأله ، فقال : أصابتني جنابة فخشيت على نفسي من البرد ، وقد قال الله تعالى :  وَلا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيماً  [النساء :29] ، فتبسم النبي  .
وهذا مرسل .
وقد ذكره أبو داود في ((سننه)) تعليقا مختصرا ، وذكر فيه : أنه تيمم .
وأكثر العلماء : على أن من خاف من استعمال الماء لشدة البرد فإنه يتيمم
ويصلي ، جنبا كان أو محدثا .
واختلفوا هل يعيد ، أم لا ؟
فمنهم من قال : لا إعادة عليه ، وهو قول الثوري ، والأوزاعي ، وأبي حنيفة ، ومالك ، والحسن بن صالح ، وأحمد في رواية .
ومنهم من قال : عليه الإعادة بكل حال سواء كان مسافرا أو حاضرا ، وهو قول الشافعي ، ورواية عن أحمد .
ومنهم من قال : أن كان مسافرا لم يعد ، وإن كان حاضرا أعاد ، وهو قول آخر للشافعي ، ورواية عن أحمد ، وقول أبي يوسف ومحمد .
وحكى ابن عبد البر عن أبي يوسف وزفر : أنه لا يجوز للمريض في الحضر التيمم بحال .
وذكر أبو بكر الخلال من أصحابنا : أنه لا يجوز التيمم في الحضر لشدة البرد ، وهو مخالف لنص أحمد وسائر أصحابه .
وحكى ابن المنذر وغيره عن الحسن وعطاء : أنه إذا وجد الماء اغتسل به وأن
مات ؛ لأنه واجد للماء ، إنما أمر بالتيمم من لم يجد الماء .
ونقل أبو إسحاق الفزاري في ((كتاب السير)) عن سفيان نحو ذلك ، وانه لا يتيمم لمجرد خوف البرد ، وإنما يتيمم لمرض مخوف ، أو لعدم الماء .
وينبغي أن يحمل كلام هؤلاء على ما إذا لم يخش الموت ، بل أمكنه استعمال الماء المسخن وإن حصل له به بعض الضرر . وقد روي هذا المعنى صريحا عن الحسن
- أيضا - ، وكذلك نقل أصحاب سفيان مذهبه في تصانيفهم ، وحكوا أن سفيان ذكر أن الناس اجمعوا على ذلك .
وقد سبق الكلام في تفسير الآية ، وان الله تعالى أذن في التيمم للمريض وللمسافر ولمن لم يجد الماء من أهل الأحداث مطلقا ، فمن لم يجد الماء فالرخصة له محققة .
وأما المرض والسفر فهما مظنتان للرخصة في التيمم ، فإن وجدت الحقيقة فيهما جاز التيمم ، فالمرض مظنة لخشية التضرر باستعمال الماء ، والسفر مظنة لعدم الماء ، فإن وجد في المرض خشية التضرر وفي السفر عدم الماء جاز التيمم ، وإلا فلا .
وأما من قال من الظاهرية ونحوهم : أن مطلق المرض يبيح التيمم سواء تضرر باستعمال الماء أو لم يتضرر ، فقوله ساقط يخالف الإجماع قبله ، وكان يلزمه أن يبيح التيمم في السفر مطلقا سواء وجد الماء أو لم يجده .
وقول البخاري : ((إذا خاف على نفسه المرض أو الموت)) يشير إلى الرخصة في التيمم إذا خاف من شدة البرد على نفسه المرض ، ولا يشترط خوف الموت خاصة ، وهذا ظاهر مذهب أحمد ، واحد قولي الشافعي .
والقول الثاني : لا يجوز التيمم إلا إذا خاف التلف ، إما تلف النفس أو تلف عضو منه ، وحكي رواية عن أحمد ، وفي صحتها عنه نظر .
والحنيفية السمحة أوسع من ذلك ، وخوف الموت أو المرض هو داخل في معنى المرض الذي أباح الله التيمم معه ؛ لأنه إنما يباح التيمم لمرض يخشى منه زيادته أو التلف ، فحيث خشي ذلك فقد وجد السبب المبيح للتيمم .
ولو كان في الغزو وهو يجد الماء لكنه يخشى على نفسه من العدو أن اشتغل بالطهارة ، ففيه عن أحمد روايتان :
إحداهما : يتيمم ويصلي ، اختارها أبو بكر عبد العزيز .
والثانية : يؤخر الصلاة إلى أن يقدر على الوضوء ، كما أخر النبي  الصلوات يوم الخندق .
ولو احتاجت المرآة إلى الوضوء وكان الماء عنده فساق تخاف منهم على نفسها ، فقال أحمد : لا يلزمها الوضوء . وتوقف مرة في ذلك .
وأما إذا خاف العطش على نفسه ، فإنه يحبس الماء ويتيمم ، وقد سبق قول علي وابن عباس في ذلك ، وحكاية أحمد له عن عدة من الصحابة . وقد ذكر ابن المنذر أنه إجماع من يحفظ عنه من أهل العلم ، وسمى منهم جماعة كثيرة .
وقد سال قوم النبي  ، فقالوا : إنا نركب البحر ونحمل معنا القليل من الماء ، فإن توضأنا به عطشنا ، أفنتوضأ بماء البحر ؟ فقال لهم النبي  : ((هو الطهور ماؤه ، الحل ميتته)) .
وسؤالهم يشعر بأن من معه ماء يسير لا يتوضأ به وهو يخشى العطش على نفسه ، وأقرهم  على ذلك ، ولم يردهم عن اعتقادهم .
خرج البخاري في هذا الباب حديث عمار من رواية أبي موسى الأشعري ، عنه ، فقال :
345- ثنا بشر بن خالد : ثنا محمد- هو : غندر - ، عن شعبة ، عن سليمان ، عن أبي وائل : قال أبو موسى لعبد الله بن مسعود : إذا لم تجد الماء لا تصلي؟ قال عبدالله : لو رخصت لهم في هذا ، كان إذا وجد أحدهم البرد قال هكذا - يعني : تيمم - وصلى . قال : قلت فأين قول عمار لعمر؟ قال : إني لم أرى عمر قنع بقول عمار .
346- حدثنا عمر بن حفص : ثنا أبي ، عن الأعمش ، قال : سمعت شقيق ابن سلمة قال : كنت عند عبد الله وأبي موسى ، فقال له أبو موسى : أرأيت يا أبا
عبد الرحمان ، إذا أجنب الرجل فلم يجد ماء كيف يصنع؟ فقال عبد الله : لا يصلي حتّى يجد الماء . فقال أبو موسى : فكيف تصنع بقول عمار حين قَالَ له النَّبيّ  : ((كان يكفيك)) ؟ قال : ألم تر عمر لم يقنع منه بذلك؟ فقال أبو موسى : دعنا من قول عمار ، كيف تصنع بهذه الآية؟ فما درى عبدالله ما يقول . فقال : لو أنا رخصنا لهم في هذا لأوشك إذا برد على أحدهم الماء أن يدعه ويتيمم . فقلت لشقيق : فإنما كره
عبد الله لهذا؟ قال : نعم .
كان عمر بن الخطاب وعبدالله بن مسعود يقولان : أن التيمم إنما يجوز عن الحدث الأصغر ، وأما عن الجنابة فلا يجوز ، وقالا : لا يصلي الجنب حتى يجد الماء ولو عدمه شهرا .
وروي ذلك عن طائفة من أصحاب ابن مسعود وأتباعهم كالأسود وأبي عطية والنخعي .
وقد روي عن عمر وابن مسعود أنهما رجعا عن ذلك ، ووافقا بقية الصحابة ، فإن عمر وكل الأمر في ذلك إلى عمار ، وقال له : نوليك ما توليت ، وابن مسعود رجع عن قوله في التيمم - : قاله الضحاك ، واتبعت الأمة في ذلك قول الصحابة دون عمر وابن مسعود . وقد خالفهما علي وعمار وأبو موسى الأشعري وجابر بن عبدالله وابن عباس .
وقد صح عن النبي  أمر الجنب إذا لم يجد الماء بأن يتيمم ويصلي ، في
حديث عمران بن حصين المتقدم ، وحديث عمار ، وروي - أيضا - من حديث أبي ذر وغيره .
وشبهة المانعين : أن الله تعالى قال : وَلا جُنُباً إِلَّا عَابِرِي سَبِيلٍ حَتَّى تَغْتَسِلُوا  [النساء :43] ، وقال : ) وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُباً فَاطَّهَّرُوا  [المائدة :6] - يعني به :
الغسل - ، ثم ذكر التيمم عند فقد الماء بعد ذكره الأحداث الناقضة للوضوء ، فدل على أنه إنما رخص في التيمم عند عدم الماء لمن وجدت منه هذه الأحداث ، وبقي الجنب مأمورا بالغسل بكل حال .
وهذا مردود ؛ لوجهين :
أحدهما : أن آية الوضوء افتتحت بذكر الوضوء ، ثم بغسل الجنابة ، ثم أمر بعد ذلك بالتيمم عند عدم الماء ، فعاد إلى الحدثين معا ، وان قيل : أنه يعود إلى أحدهما ، فعوده إلى غسل الجنابة أولى ؛ لأنه أقربهما ، فأما عوده إلى أبعدهما وهو- وضوء الصلاة - فممتنع .
وأما آية سورة النساء ، فليس فيها سوى ذكر الجنابة ، وليس للوضوء فيها ذكر ، فكيف يعود التيمم إلى غير مذكور فيها ، ولا يعود إلى المذكور ؟
والثاني : أن كلتا الآيتين : أمر الله بالتيمم من جاء من الغائط ، ولمس النساء أو لم يجد الماء ، ولمس النساء إما أن يراد به الجماع خاصة ، كما قاله ابن عباس وغيره ، أو أنه يدخل فيه الجماع وما دونه من الملامسة لشهوة ، كما يقوله غيره ، فأما أن يخص به ما دون الجماع ففيه بعد .
ولما أورد أبو موسى على ابن مسعود الآية تحير ولم يدر ما يقول ، وهذا يدل على أنه رأى أن الآية يدخل فيها الجنب كما قاله أبو موسى .
وفي أمر النبي  الجنب العادم للماء أن يتيمم ويصلي دليل على أنه  فهم دخول الجنب في الآية ، وليس بعد هذا شيء .
ورد ابن مسعود تيمم الجنب ؛ لأنه ذريعة إلى التيمم عند البرد لم يوافق عليه ؛ لان النصوص لا ترد بسد الذرائع ، وأيضا ، فيقال : أن كان البرد يخشى معه التلف أو الضرر فإنه يجوز التيمم معه كما سبق .
وقد روى شعبة ، أن مخارقا حدثهم ، عن طارق ، أن رجلا أجنب فلم يصل ، فأتى النبي  فذكر ذلك له ، فقال له : ((أصبت)) . وأجنب رجل آخر فتيمم وصلى ، فأتاه  ، فقال له نحوا مما قال للآخر - يعني : ((أصبت)) .
خرجه النسائي ، وهو مرسل .
وقد يحمل هذا على أن الأول سأله قبل نزول آية التيمم ، والآخر سأله بعد
نزولها .
وروى أبو داود الطيالسي ، عن شعبة ، عن الحكم ، عن ذر ، عن ابن أبزى ، عن أبيه ، أن عمارا قال لعمر : أما تذكر يا أمير المؤمنين أني كنت أنا وأنت في سرية فأجنبنا ولم نجد الماء ، فأما أنت فلم تصل ، وأما أنا فتمعكت بالتراب وصليت ، فلما قدمنا على رسول الله  ذكرنا ذلك له ، فقال (( أما أنت فلم يكن ينبغي لك أن تدع الصلاة ، وأما أنت يا عمار فلم يكن لك أن تتمعك كما تتمعك الدابة ، إنما كان يجزيك )) ـ وضر ب رسول الله  بيده إلى الأرض إلى التراب ، ثُمَّ قَالَ- : (( هكذا )) ، ونفخ فيها ومسح وجهه ويديه إلى المفصل ، وليس فيه الذراعان .

* * *
8- باب
التيمم ضربة
347- حدثنا محمد بن سلام : ثنا أبو معاوية ، عن الأعمش ، عن شقيق ، قال : كنت جالسا مع عبد الله أبي موسى الأشعري ، فقال له أبو موسى : لو أن رجلا أجنب فلم يجد الماء شهرا ، أما كان يتيمم ويصلي ؟ فكيف تصنعون بهذه الآية في سورة المائدة  فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيداً طَيِّباً [المائدة : 6 ] ؟ فقال عبد الله : لو رخص لهم هذا لأوشكوا إذا برد عليهم الماء أن يتيمموا بالصعيد . قلت : وإنما كرهتم هذا لذا ؟ قال : نعم . فقال أبو موسى : ألم تسمع قول عمار لعمر بن الخطاب : بعثني رسول الله  في حاجة ، فأجنبت ، فلم أجد الماء ، فتمرغت في الصعيد كما تتمرغ الدابة ، فذكرت ذلك للنبي  ، فقال : (( إنما كان يكفيك أن تصنع هكذا )) وضرب بكفه ضربة على الأرض ، ثم نفضها ، ثم مسح بها ظهر كفه بشماله ، أو ظهر شماله بكفه ، ثم مسح بهما وجهه . قال عبد الله : ألم تر عمر لم يقنع بقول عمار ؟
زاد يعلي ، عن الأعمش ، عن شقيق ، قال : كنت مع عبدالله وأبي موسى ، فقال أبو موسى : ألم تسمع قول عمار لعمر : أن رسول الله  بعثني أنا وأنت ، فأجنبت فتمعكت بالصعيد ، فأتينا رسول الله  فأخبرناه فقال : ((إنما كان يكفيك هكذا)) ، ومسح وجهه وكفيه واحدة؟
محمد بن سلام ، هو : البيكندي ، وقد اختلفوا في ضبط ((سلام)) : هل هو بالتخفيف أو بالتشديد؟ والتخفيف أكثر فيه واشهر ، ولأبي محمد عبد العظيم المنذري في ذلك جزء منفرد .
ثم ظهر لي أن التشديد فيه أصح ، فإن الذين رجحوا فيه التخفيف اعتمدوا على حكاية رويت عن محمد بن سلام ، أنه قال : أنا محمد بن سلام بتخفيف اللام ، وقد أفردت لذلك جزءا ، وذكرت فيه أن هذه الحكاية لا تصح ، وفي إسنادها متهم
بالكذب .
وقد خرج مسلم هذا الحديث عن يحيى بن يحيى وأبي بكر بن أبي شيبة وابن نمير كلهم ، عن أبي معاوية بهذا الإسناد والمتن ، إلا أن لفظه : فقال : ((إنما كان يكفيك أن تقول بيديك هكذا )) ، ثم ضرب بيديه الأرض ضربة واحدة ، ثم مسح الشمال على اليمين ، وظاهر كفيه ووجهه .
وخرجه - أيضا - من طريق عبد الواحد بن زياد ، عن الأعمش ، ولفظ حديثه : فقال رسول الله  : ((إنما كان يكفيك أن تقول هكذا)) ، وضرب بيديه إلى الأرض ، فنفض يديه فمسح وجهه وكفيه .
وخرج القاضي إسماعيل المالكي حديث أبي معاوية ، عن ابن نمير ، عنه ، ولفظه : فقال رسول الله  : ((إنما كان يكفيك أن تضرب بيديك على الأرض ، ثم تنفضهما ، ثم تمسح يمينك على شمالك وشمالك على يمينك ، ثم تمسح وجهك)) .
وخرج حديث عبد الواحد بن زياد ، عن محمد بن أبي بكر المقدمي ، عنه ، ولفظ حديثه : (( إنما كان يكفيك أن تقول هكذا )) ، وضرب بكفيه إلى الأرض مرة واحدة ، ثم مسح إحداهما بالأخرى ، ومسح وجهه .
وأما رواية يعلى ، عن الأعمش التي علقها البخاري ، فخرجها الإمام أحمد في ((المسند)) عن يعلى - وهو : ابن عبيد الطنافسي - كذلك .
وروى الإمام أحمد - أيضا - عن عفان : ثنا عبد الواحد ، عن الأعمش بهذا الحديث ، وفيه : وضرب بكفيه إلى الأرض ،ثم مسح كفيه جميعا ، ومسح وجهه مسحة واحدة بضربة واحدة .
قال عفان : وأنكره يحيى بن سعيد ، فسألت حفص بن غياث ، فقال : كان الأعمش يحدثنا به عن سلمة بن كهيل ، وذكر : أبا وائل .
وقال الإمام أحمد في رواية الأثرم : أن كان ما روى أبو معاوية حقا : روى عن الأعمش ، عن شقيق القصة . فقال - أيضا - : ضربة للوجه والكفين ، وتابعه عبد الواحد .
قال أبو عبد الله - يعني : أحمد - : فهذان جميعا قد اتفقا عليه ، يقولان : ضربة للوجه والكفين .
وإنما أنكر يحيى بن سعيد هذه اللفظة ، وتوقف فيها الإمام أحمد لان شعبة وحفص بن غياث وابن عيينة وغيرهم رووه : عن الأعمش ، ولم يذكروا الضربة الواحدة ، ولا صفة التيمم في حديثه عن شقيق ، عن أبي موسى ، كما ساق ذلك البخاري في الباب الماضي .
ثم ذكر أحمد أن أبا معاوية وعبد الواحد قد اتفقا على هذه اللفظة ، فزالت نكارة التفرد ، وقد تبين أن يعلى تابعهما - أيضا .
وقد كان الأعمش يروي هذا الحديث عن سلمة بن كهيل ، عن ابن أبزى ، عن عمار على اختلاف عليه في إسناده ، وذكر فيه : صفة التيمم بضربة واحدة ، ولكنه ذكر أنه زاد على مسح الكفين بعض الذراعين ، وقد ذكرنا ذلك فيما تقدم في (( باب : التيمم للوجه والكفين )) ، وذكرنا أن سلمة بن كهيل شك في الزيادة على الكفين ، وانه رواه عنه سفيان وشعبة والأعمش مع اختلاف عليهم في بعض الإسناد والمتن ، فربما علل ذكر الضربة الواحدة بأنه كان عند الأعمش ، عن سلمة بن كهيل ، وحمل عليه حديث أبي وائل ، كما قد يفهم ذلك من قول حفص بن غياث الذي ذكره عنه عفان ، إلا أن الأئمة اعتمدوا على رواية أبي معاوية وعبد الواحد ويعلى ، عن الأعمش ، عن شقيق وحده للضربة الواحدة ، وأبو معاوية مقدم في حديث الأعمش ، يرجع إليه فيه عند اختلاف أصحابه .
وقد رويت الضربة الواحدة عن عمار من طريق قتادة ، عن عزرة ، عن ابن
أبزى ، عن أبيه ، عن عمار - أيضا - ، وقد تقدم ذكره - أيضا . وحديث شعبة ، عن الحكم ، عن ذر ، عن ابن أبزى المتفق على تخريجه في ((الصحيحين)) كما تقدم يدل عليه - أيضا .
وقد اتفق الأئمة على صحة حديث عمار ، وتلقيه بالقبول .
قال إسحاق بن هانئ : سئل أحمد عن التيمم ؟ قال : ضربة واحدة للوجه والكفين ، قيل له : ليس في قلبك شيء من حديث عمار؟ قَالَ : لا .
وفي حديث أبي معاوية الذي خرجه البخاري هاهنا شيئان أنكرا على أبي معاوية :
أحدهما : ذكره مسح الوجه بعد مسح الكفين ، فإنه قال : ((ثم مسح وجهه)) ، وقد اختلف في هذه اللفظة على أبي معاوية ، وليست هي في رواية مسلم كما ذكرناه .
وكذلك خرجه النسائي عن أبي كريب ، عن أبي معاوية ، ولفظ حديثه : (( إنما كان يكفيك أن تقول هكذا )) وضرب بيديه على الأرض ضربة فمسح كفيه ، ثم نفضهما ، ثم ضرب بشماله على يمينه وبيمينه على شماله ، على كفيه ووجهه .
وخرجه أبو داود عن محمد بن سليمان الأنباري ، عن أبي معاوية ، ولفظه : ((إنما كان يكفيك أن تصنع هكذا)) فضرب بيده على الأرض فنفضهما ، ثم ضرب بشماله على يمينه وبيمينه على شماله على الكفين ، ثم مسح وجهه .
فاختلف على أبي معاوية في ذكر مسح الوجه ، وعطفه : هل هو بالواو ، أو بلفظ : ((ثم)) ؟
وقد قال الإمام أحمد في رواية بن عَبدةَ : رواية أبي معاوية ، عن الأعمش في تقديم مسح الكفين على الوجه غلط .
والثاني : أنه ذكر أن أبا موسى هو القائل لابن مسعود : إنما كرهتم هذا لهذا ، فقال ابن مسعود : نعم . وقد صرح بهذا في رواية أبي داود ، عن الأنباري المشار إليها ، وإنما روى أصحاب الأعمش ، منهم : حفص بن غياث ، ويعلى بن عبيد ، وعبد الواحد بن زياد أن السائل هو الأعمش ، والمسئول هو شقيق أبو وائل .
وقد ذكرنا فيما تقدم مسح الوجه واليدين في التيمم ، وهل الممسوح الكفان خاصة ، أم الكفان والذراعان إلى المرفقين ، أم إلى المناكب والآباط ؟
والكلام هنا في عدد الضرب الممسوح به :
فمن قَالَ : إنه يمسح الوجه والكفين ، قال أكثرهم : يمسح ذلك بضربة واحدة اتباعا لحديث عمار ، وهذا هو المروري عن علي وعمار وابن عباس ، وعن الشعبي وعطاء ويحيى بن كثير وقتادة وعكرمة ومكحول والأوزاعي ، وهو قول أحمد وإسحاق وأبي خيثمة وابن أبي شيبة وداود -وهو قول عامة أهل الحديث - : قاله الخطابي وغيره .
وقال ابن المنذر : بهذا نقول ؛ للثابت عن النبي  أنه قال : (( التيمم ضربة للوجه والكفين )) .
وحكى عن طائفة منهم أنه يمسح وجهه بضربة ، وكفيه إلى الرسغين بضربة
أخرى . قال ابن المنذر : يروي هذا عن علي ، وحكاه غيره عن عطاء والنخعي والأوزاعي في رواية عنهما ، والشافعي في القديم .
ونقل حرب ، عن إسحاق : أن هذا هو المستحب ، ويجزئ ضربة واحدة . وروي حرب بإسناده ، عن عبد العزيز بن أبي رواد ، عن نافع ، عن ابن عمر ، قال : التيمم ضربتان : ضربة للوجه ، وضربة للكفين .
وبإسناده : عن عطاء والاوزاعي مثله .
وأما من قال : أن التيمم يبلغ إلى المرفقين ، فأكثرهم قالوا : يتيمم بضربتين :ضربة للوجه ، وضربة لليدين إلى المرفقين ، هذا هو الصحيح عن ابن عمر وعن جابر بن عبد الله ، وهو قول أكثر العلماء القائلين بذلك ، وهو قول مالك وأبي حنيفة والشافعي وغيرهم .
واختلفوا : هل ذلك على الوجوب ، أم على الاستحباب ؟
فقالت طائفة : هو على الوجوب ، لا يجزئ دونه ، وهو قول أبي حنيفة ، والشافعي في ظاهر مذهبه ، ورواية عن مالك .
وقالت طائفة : بل هو على الاستحباب ، ويجزئ ضربتان : إحداهما للوجه والأخرى للكفين ، وهو رواية عن مالك ، واختاره القاضي أبو يعلي من أصحابنا ، غير أن المجزئ عنده ضربة واحد للوجه والكفين ، وحكاه بعضهم رواية عن أحمد . وأنكر الخلال والأكثرون ثبوتها عنه .
وقال الخلال : إنما أجاز ذلك أحمد لمن تأول الأحاديث بفعلة ، إلا أن الأحاديث في ذلك عنه ضعاف جداً في الضربتين .
وأجاز إسحاق أن يتيمم بضربتين :ضربة للوجه وضربة إلى المرفقين ، إذا كان يرى الاقتصار على الكفين جائزاً ، فإن اعتقد أنه لا يجزئ فقد أخطأ .
وهذا يدل على أن الخلاف في الإجزاء عنده غير سائغ .
وقال طائفة من الخراسانيين من أصحاب الشافعي : الواجب عنده إيصال التراب إلى الوجه واليدين إلى المرفقين ، سواء حصل ذلك بضربة أو ضربتين ، ولا يجب عنده تعدد الضرب ، وخالفهم غيرهم من أصحاب الشافعي في ذلك .
وروى داود بن أبي هند ، عن الشعبي ، قَالَ : التيمم ضربة للوجه واليدين إلى المرفقين .
خرجه حرب الكرماني .
وروى ابن إسحاق ، عن نافع ، قال : رايت ابن عمر يضرب بيده في الأرض ، فيمسح بها وجهه ، ثم يضرب يده فيمسح بها ذراعيه .
وعن ابن عون ، قال : قلت للحسن : ارني كيف التيمم ؟ فضرب بيديه على الأرض ، ثم نفضهما ، ثم مسح بهما وجهه ، ثم ضرب بكفيه الأرض ، ثم مسح بهما على ذراعيه .
وعن داود ، عن الشعبي ، قال : التيمم ضربة للوجه والذراعين .
خرج ذلك كله القاضي إسماعيل المالكي .
وكذلك وصف سفيان الثوري التيمم .
وظاهر هذا يدل على الكفين لا يمسحان بانفرادهما ، بل يكفي ما أصابهما عند ضربهما بالأرض ، فإنه لا بد أن يتطاير الغبار على ظاهرهما وباطنهما .
وقد قال عكرمة في المتيمم : يضرب بكفيه على الأرض فيحركها ثم يمسح بوجهه وكفيه .
وهذا يرجع إلى أنه لا يجب الترتيب كما سيأتي ذكره - أن شاء الله تعالى .
وحكي عن ابن سيرين ، أنه تيمم بثلاث ضربات : ضربة للوجه ، وضربة
للكفين ، وضربة للذراعين إلى المرفقين .
وحكي عن ابن أبي ليلى والحسن بن حي ، أنه يتيمم بضربتين ، يمسح بكل ضربة وجهه ويديه إلى المرفقين .
قال ابن عبد البر : ما علمت أحداً من أهل العلم قال ذلك غيرهما .
وللشافعية وجه ضعيف . أنه يستحب ضربة للوجه وضربتان لليدين ، لكل يد ضربة ، ولهم وجه ضعيف - أيضا - ، أنه يشرع تكرار المسح في التيمم كالوضوء .
وقال حرب : ثنا محمود بن خالد : ثنا الوليد بن مسلم ، قال : قلت لأبي عمرو الأوزاعي : صف التيمم؟ فوضع كفيه على الأرض وضعا رفيقا ، ثم رفعهما ، ثم أمر إحداهما على الأخرى مسحا رفيقا ، ثم أمر بهما على وجهه ، ثم على كفيه .
قال : وثنا المسيب بن واضح : ثنا أبو إسحاق ، عن إسماعيل بن أبي خالد ، قال : سألت الشعبي عن التيمم؟ فضرب بيديه الأرض ، ثم ضرب إحداهما بالأخرى ، ثم مسح وجهه وكفيه .
وظاهر هذا يقتضي أنه يمسح أولا إحدى كفيه بالأخرى ، ثم يمسح وجهه ، ثم يمسح كفيه .
وفي بعض ألفاظ حديث عمار المذكورة في هذا الباب ما قد يشعر بهذا القول ، ولا يبقى حينئذ إشكال في رواية أبي معاوية ، عن الأعمش ؛ لأنه يكون قد مسح كفيه مرة قبل وجهه ومرة بعده ، وهذا غريب جدا ، وعند التأمل لا يدل حديث عمار على ذلك ؛ فإن لفظ رواية البخاري أنه مسح بالضربة ظهر كفيه بشماله أو ظهر شماله بكفه ، وهذا إنما يدل على أنه مسح ظهر كفه ببطن الأخرى .
وفي رواية مسلم : (( مسح الشمال على اليمين وظاهر كفيه )) ، فهذه تدل على أنه مسح كفيه إحداهما بالأخرى ظاهرهما وباطنهما .
وفي رواية أبي داود والنسائي : (( أنه مسح بشماله على يمينه وبيمينه على
شماله )) ، وهذا يدل على أنه مسح كل واحدة بالأخرى .
والمنصوص عن أحمد ، وهو مذهب الشافعي وغيره ، أنه يجب الترتيب في التيمم كما يجب في الوضوء ، فيمسح وجهه أولا ، ثم يمسح كفيه .
ومن أصحابنا المتأخرين من قال : لا يجب الترتيب في التيمم خاصة ؛ لأنهم قالوا في صفة التيمم : أنه يمسح وجهه بباطن أصابعه وظاهر كفيه براحتيه ، ويدلك كل راحة بالأخرى ويخلل الأصابع . قالوا : فيقع مسح باطن أصابعه مع مسح وجهه ، وهذا يخل بالترتيب .
وهذا الذي قالوه في صفة التيمم لم ينقل عن الإمام أحمد ، ولا قاله أحد من متقدمي أصحابه كالخرقي وأبي بكر وغيرهما .
قال المروذي : قلت لأبي عبد الله : أرني كيف التيمم؟ فضرب بيده باطن كفيه ، ثم مسح وجهه وكفيه بعضهما على بعض ضربة واحدة . وقال : هكذا .
وهذا يدل على أنه مسح وجهه بيديه ، ثم مسح يديه إحداهما بالأخرى من غير تخصيص للوجه بمسح باطن الأصابع ، وهذا هو المتبادر إلى الفهم من الحديث المرفوع ومن كلام من قال من السلف : أن التيمم ضربة للوجه والكفين .
وما قاله المتأخرون من الأصحاب فإنما بنوه على أن التراب المستعمل لا يصح التيمم به كالماء المستعمل .
وهذا ضعيف ؛ لان التراب المستعمل فيه لأصحابنا وجهان :
Razz Razz Razz Razz Razz Razz Razz
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://1230m.allahmuntada.com
 
صحيح البخاري من 32 45 ج2 مكتبة الدرر السنية
استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة 
صفحة 1 من اصل 1

صلاحيات هذا المنتدى:لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى
الابراهمية للخد مــــــــــــــــــا ت :: كتب الحديث-
انتقل الى: